كيفين وارش (أ ف ب)
الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 / 16:10
قد تواجه طفرة الذكاء الاصطناعي اختباراً حاسماً من خارج قطاع التكنولوجيا، يتمثل في السياسة النقدية الأمريكية، إذ إن استمرار أسعار الفائدة المرتفعة أو الاتجاه إلى زيادتها قد يضغط على تمويل الاستثمارات وتقييمات الشركات، رغم التدفقات المالية الضخمة التي اجتذبها القطاع.
وتعيد هذه المخاطر إلى الأذهان فقاعة شركات الإنترنت مطلع الألفية، عندما تزامن تشديد السياسة النقدية مع انهيار أسهم التكنولوجيا، وفقاً لتحليل للكاتب الاقتصادي غريغ إيب، نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، الثلاثاء.
وتبرز هذه المخاوف في وقت تواصل فيه شركات التكنولوجيا ضخ استثمارات كبيرة في مراكز البيانات والرقائق والبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، ما يثير تساؤلات بشأن قدرة القطاع على الحفاظ على وتيرة توسعه إذا ارتفعت تكاليف التمويل أو تراجعت شهية المستثمرين للمخاطرة، وفقاً لتقرير لوكالة "رويترز" نشر في 19 أكتوبر (تشرين الأول) 2026.
دروس من فقاعة الإنترنت
تستحضر المخاوف الحالية تجربة شركات الإنترنت في عام 2000، حين راهن المستثمرون على أن النمو المتسارع للتكنولوجيا الجديدة سيحافظ على تدفق الأموال إلى القطاع، رغم اتجاه الاحتياطي الفيدرالي إلى رفع أسعار الفائدة، قبل أن تتعرض أسهم شركات الإنترنت لانهيار حاد، بحسب تحليل غريغ إيب في "وول ستريت جورنال".
وتؤكد السجلات الرسمية أن الاحتياطي الفيدرالي رفع سعر الفائدة المستهدف 6 مرات بين يونيو (حزيران) 1999 ومايو (أيار) 2000، بإجمالي 175 نقطة أساس، من %4.75 إلى %6.5، ضمن جهود احتواء الضغوط التضخمية الناتجة عن تسارع النشاط الاقتصادي، وفقاً لبيانات الاحتياطي الفيدرالي ووزارة الخزانة الأمريكية.
لكن المقارنة التاريخية لا تعني أن رفع الفائدة كان السبب الوحيد لانهيار فقاعة الإنترنت، إذ تداخل تشديد الأوضاع المالية مع المبالغة في تقييم شركات التكنولوجيا وتراجع الثقة بقدرة العديد منها على تحقيق الأرباح المتوقعة، ما يجعل التجربة السابقة مؤشراً إلى المخاطر المحتملة، وليس دليلاً على حتمية تكرارها، استناداً إلى السجل التاريخي للأسواق وتحليل "وول ستريت جورنال".
كيف تؤثر الفائدة في استثمارات الذكاء الاصطناعي؟
يمكن لارتفاع أسعار الفائدة أن يزيد تكلفة اقتراض الشركات ويخفض القيمة الحالية للتدفقات النقدية المستقبلية، ما يضغط على تقييمات الشركات التي تعتمد على توقعات نمو مرتفعة، خصوصاً عندما تحتاج مشروعاتها إلى إنفاق رأسمالي كبير قبل تحقيق عوائد كافية، وفقاً لآليات انتقال السياسة النقدية التي يوضحها الاحتياطي الفيدرالي.
ويمتد تأثير التشديد النقدي إلى أسواق السندات والائتمان وتمويل المشروعات، إذ قد يرفع العوائد التي يطلبها المستثمرون مقابل المخاطرة، ويجعل بعض استثمارات التكنولوجيا أقل جاذبية مقارنة بالأصول ذات الدخل الثابت، بحسب المبادئ الاقتصادية التي يستند إليها الاحتياطي الفيدرالي في إدارة الأوضاع المالية.
غير أن التأثير لا يتوزع بالتساوي على جميع الشركات، إذ تستطيع المؤسسات التكنولوجية الكبرى ذات التدفقات النقدية القوية مواصلة الإنفاق لفترات أطول، بينما تكون الشركات الناشئة والمطورون المعتمدون على التمويل الخارجي أكثر عرضة لارتفاع تكاليف الاقتراض وتراجع شهية المستثمرين، وفقاً لتحليل نشرته "رويترز" في 19 أكتوبر(تشرين الأول) 2026.
طفرة التكنولوجيا تعقّد مهمة الفيدرالي
تكتسب العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والسياسة النقدية أهمية إضافية مع احتمال مساهمة التوسع السريع في مراكز البيانات والبنية التحتية التقنية في زيادة الطلب على المعدات والطاقة والعمالة المتخصصة، بما قد يفاقم ضغوط الأسعار في بعض الأسواق، وفقاً لتحليل وكالة "رويترز" بشأن أثر استثمارات الذكاء الاصطناعي في التضخم.
وتضع هذه التطورات الاحتياطي الفيدرالي أمام معادلة معقدة، إذ قد يستمر الاستثمار في الذكاء الاصطناعي رغم ارتفاع الفائدة، بينما تتحمل قطاعات أكثر اعتماداً على الاقتراض، مثل الإسكان والشركات الصغيرة، جانباً أكبر من تكلفة التشديد النقدي، بحسب "رويترز".
وفي هذا السياق، أوضح الاحتياطي الفيدرالي في بياناته الرسمية أن قرارات السياسة النقدية تستند إلى تقييم التضخم والتوظيف والظروف المالية والمخاطر المحيطة بالنشاط الاقتصادي، مع التزامه بتحقيق استقرار الأسعار والتوظيف الأقصى، وفقاً لبيانات لجنة السوق المفتوحة الأمريكية.
تقييمات الشركات تحت الضغط
لا تنحصر المخاطر في تكلفة التمويل المباشر، بل تشمل أيضاً قدرة الشركات على تبرير تقييماتها السوقية المرتفعة، خصوصاً إذا بدأت الإيرادات والأرباح الفعلية في النمو بوتيرة أبطأ من توقعات المستثمرين، في وقت تتواصل فيه الاستثمارات الضخمة في تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، وفقاً لتحليلات الأسواق التي أوردتها "وول ستريت جورنال".
وقد يؤدي استمرار العوائد المرتفعة على السندات إلى زيادة المنافسة على رؤوس الأموال، ما يدفع المستثمرين إلى التدقيق بصورة أكبر في التدفقات النقدية والربحية والديون، بدلاً من الاعتماد على توقعات التوسع المستقبلي وحدها، وفقاً للتحليلات الاقتصادية الواردة في تغطيات "وول ستريت جورنال" لأسواق التكنولوجيا والائتمان.
ومع ذلك، لا تعني هذه الضغوط بالضرورة توقف الابتكار أو تراجع الطلب على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل قد تؤدي إلى إعادة توزيع الاستثمارات لمصلحة الشركات الأقدر على تحقيق عوائد تجارية مستقرة وتحمل تكاليف التمويل، في ضوء التفاوت في المراكز المالية للشركات الذي أبرزته "رويترز".
التوسع في الذكاء الاصطناعي يُجبر عمالقة التكنولوجيا على متابعة سياسات الفيدرالي الأمريكي - موقع 24أجبرت طفرة الذكاء الاصطناعي مستثمري قطاع التكنولوجيا على الاهتمام بقرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي)، بعد أن تجاهلت شركات التكنولوجيا الكبرى لسنوات طويلة ارتفاع أسعار الفائدة، والتي تضغط بقوة أكبر على الشركات الأصغر حجماً والأقل ربحية.
التضخم يحدد مسار الفائدة
يظل احتواء التضخم أحد الهدفين الأساسيين للسياسة النقدية الأمريكية، إلى جانب تحقيق التوظيف الأقصى، إذ يستهدف الاحتياطي الفيدرالي معدل تضخم قدره 2% على المدى الطويل، مقاساً بالتغير السنوي في مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، وفقاً لإطار السياسة النقدية المعلن للبنك المركزي الأمريكي.
ويمكن لاستمرار الضغوط التضخمية أن يدفع الفيدرالي إلى الإبقاء على سياسة نقدية مقيّدة أو تشديدها وفق تطورات البيانات، وهو ما قد ينعكس على تكلفة رأس المال وتقييمات الأصول، دون أن يعني استهداف قطاع الذكاء الاصطناعي بحد ذاته، بحسب بيانات الاحتياطي الفيدرالي.
وبذلك، فإن مستقبل طفرة الذكاء الاصطناعي لا يتوقف على التطورات التقنية والطلب التجاري وحدهما، بل يرتبط أيضاً بقدرة الشركات على تمويل توسعها وتحقيق عوائد مستدامة في بيئة نقدية قد تصبح أكثر تشدداً، وهي المخاطرة التي يسلط عليها تحليل غريغ إيب في "وول ستريت جورنال" الضوء من خلال استحضار تجربة فقاعة الإنترنت عام 2000.