أرشيفية(وام)
السبت 24 أكتوبر 2026 / 15:26
اشتراك لمنصة مشاهدة، وآخر للموسيقى، وثالث لتطبيق أو خدمة رقمية؛ يبدأ كل منها بقرار إنفاق يبدو محدوداً، لكن تجدد الرسوم وتعدد الخدمات يجعلان الكلفة الإجمالية أقل وضوحاً للمستهلك. ومع انتقال الشركات من بيع الخدمة لمرة واحدة إلى تحصيل رسوم مستمرة مقابل الوصول إليها، يتحول الإنفاق إلى التزامات متكررة، وقد تستمر بعض المدفوعات حتى بعد تراجع الحاجة إلى الخدمة أو استخدامها.
هنا لا يتوقف السؤال عند عدد الاشتراكات أو أسعارها، بل يمتد إلى القيمة التي يحصل عليها المستهلك مقابل مجموع ما يدفعه، وكيف يوازن هذه النفقات مع احتياجاته المالية الأخرى.
السعودية.. الاستخدام والكلفة عاملان في قرار الإلغاء
في السعودية، أظهرت دراسة "ديلويت" للاتجاهات الرقمية لعام 2026 أن 43% من المستخدمين ما زالوا يتشاركون حسابات اشتراكات الفيديو المدفوعة، مقارنة بـ52% في 2025، في ظل تشديد منصات البث قواعد مشاركة الحسابات.
بريطانيا.. 26 مليار جنيه سنوياً للاشتراكات
ويصل الإنفاق الاستهلاكي على الاشتراكات في بريطانيا إلى نحو 26 مليار جنيه إسترليني سنوياً، موزعاً على قرابة 155 مليون اشتراك نشط، فيما يبلغ متوسط ما ينفقه الفرد نحو 500 جنيه سنوياً على قرابة ثلاثة اشتراكات، وفق رد الحكومة البريطانية على مشاورة تنظيم عقود الاشتراكات، المنشور في أبريل (نيسان) 2026.
لكن جزء من هذا الإنفاق يذهب إلى اشتراكات لا يرغب المستهلك في مواصلتها؛ إذ قدّرت الحكومة البريطانية، في ردها المنشور في أبريل 2026 بشأن تنظيم عقود الاشتراكات، وجود 9.7 مليون اشتراك غير مرغوب فيه، بكلفة سنوية تبلغ 1.6 مليار جنيه إسترليني. وتشمل التقديرات نحو 3.6 مليون اشتراك استمر بعد انتهاء فترة تجريبية مجانية أو مخفضة، ونحو 1.3 مليون اشتراك ارتبط بالتجديد التلقائي، بحسب الرد الحكومي الرسمي.
أمريكا.. الإنفاق على الاشتراكات يواصل النمو
في الولايات المتحدة، ارتفع الإنفاق على الاشتراكات غير المرتبطة بالمرافق بنسبة 7.7% على أساس سنوي في يوليو 2026، متجاوزاً وتيرة نمو الإنفاق الإجمالي بالبطاقات بأكثر من 1.5 نقطة مئوية، وفق تحليل معهد "بنك أوف أمريكا" لبيانات معاملات الدفع.
واستحوذت اشتراكات الترفيه والتجزئة على نحو 43% من إجمالي الإنفاق على الاشتراكات، فيما سجل إنفاق الجيل Z، الذي يشير إلى مواليد الفترة الممتدة تقريباً من أواخر التسعينيات إلى أوائل العقد الثاني من الألفية، على هذه الخدمات نمواً يقارب 14% سنوياً.
ورصد التحليل أيضاً نمواً في الإنفاق على اشتراكات القراءة والمعلومات، التي تشمل خدمات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، رغم استحواذها على الحصة الأصغر من إجمالي الإنفاق على الاشتراكات. وارتفع الإنفاق على هذه الفئة بنسبة 61% لدى الجيل Z و51% لدى جيل الألفية الأصغر سناً، بحسب تحليل المعهد الصادر في سبتمبر (أيلول) 2026.
متى تصبح الاشتراكات عبئاً على الميزانية؟
بين تراجع مشاركة الحسابات ونمو الإنفاق ووجود ملايين الاشتراكات غير المرغوب فيها، تكشف المؤشرات جوانب مختلفة من الظاهرة. لكن السعر المعلن لكل خدمة لا يكشف وحده الكلفة التي يتحملها المستهلك؛ إذ تتضح الصورة عند جمع الرسوم المتكررة ومقارنتها بالدخل، وقياس مدى استخدام الخدمات، وما إذا كانت تزاحم نفقات أخرى أو تحد من القدرة على الادخار.
ومن منظور إدارة الميزانية، لا ترتبط كلفة الاشتراكات بأسعار الخدمات منفردة فحسب، بل بتراكم رسومها الدورية مقارنة بالدخل المتاح ومدى الاستفادة الفعلية منها، بحسب أحمد عبدالكريم، المختص في المحاسبة والإدارة المالية وصاحب مكتب "Ideal Accounting Solution" لتدقيق وتنظيم الحسابات والخدمات الضريبية.
ويوضح عبدالكريم في تصريحاته لـ"24"، أن الرسوم المنفردة قد تبدو محدودة، لكن اجتماعها في التزامات شهرية متكررة يجعل كلفتها الإجمالية أقل وضوحاً عند إعداد الميزانية، خصوصاً عندما يستمر الدفع مقابل خدمات لا يستفاد منها بانتظام أو لم تعد تلبي حاجة فعلية.
الكلفة والمنفعة.. معيار تقييم الاشتراكات
ويشير عبدالكريم إلى أن تقييم الاشتراكات ينبغي ألا يقتصر على سعر كل خدمة منفردة، بل أن يشمل إجمالي تكلفتها مقارنة بالدخل والمصروفات الأخرى، ومدى الاستفادة الفعلية منها. فجدوى الاشتراك لا تتحدد بسعره وحده، بل بالقيمة التي يضيفها للمستهلك مقارنة بما يدفعه، وبما إذا كان الإنفاق عليه يأتي على حساب أولويات أخرى، مثل الاحتياجات الأساسية أو الادخار.
ويؤكد أن هذا التقييم يتيح تحديد الاشتراكات محدودة الاستخدام، ومراجعة الخدمات المتشابهة، والاستغناء عما لا تتناسب منفعته مع تكلفته.
إدارة الاشتراكات.. من التجديد التلقائي إلى الإنفاق الواعي
ويلفت عبدالكريم إلى أن التجديد التلقائي قد يطيل أمد بعض الالتزامات المالية حتى بعد تراجع الحاجة إلى الخدمة، ما يجعل المراجعة الدورية للاشتراكات جزءاً من إدارة التدفقات النقدية الشخصية، لا مجرد وسيلة لخفض الإنفاق.
ولا يعني ذلك أن الحل يكمن في إلغاء الاشتراكات جميعها، بل في ترتيبها وفق الأولوية والمنفعة، والبحث عن بدائل مجانية تؤدي الغرض نفسه، والاحتفاظ بالخدمات التي تبرر تكلفتها. وبهذا، يصبح القرار قائماً على موازنة واضحة بين الكلفة والمنفعة، بدلاً من ترك الرسوم المتكررة تتراكم من دون تقييم منتظم.