متظاهرون في فرنسا (رويترز)
السبت 31 أكتوبر 2026 / 15:59
تتزايد المخاوف من انزلاق فرنسا إلى أزمة ديون سيادية، بعدما تجاوزت عوائد سنداتها الحكومية حاجز 5% للمرة الأولى منذ 2002، وسط ارتفاع تكاليف الاقتراض وتعثر إقرار موازنة 2027، ما يُعيد التساؤلات بشأن الجهات القادرة على التدخل لإنقاذ ثاني أكبر اقتصاد في منطقة اليورو.
وبحسب تقرير لصحيفة "لوموند" الفرنسية، أعده الصحفيان إريك ألبير ولوسي روبيكان، فإن البنك المركزي الأوروبي يمثل خط الدفاع الرئيسي أمام أي أزمة محتملة، بينما يبقى تدخل صندوق النقد الدولي مستبعداً إلى حد كبير، في ظل امتلاك أوروبا أدوات مالية ونقدية لمواجهة اضطرابات أسواق الديون.
ورغم ارتفاع الفارق بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية إلى 175 نقطة أساس، لا تزال فرنسا قادرة على الاقتراض من الأسواق، ما يعني أنها لم تدخل بعد أزمة ديون فعلية.
لماذا يُستبعد تدخل صندوق النقد الدولي؟
تُشير "لوموند" إلى أن تدخل صندوق النقد الدولي، كما حدث خلال أزمة ديون منطقة اليورو بين 2010 و2015، أصبح أقل احتمالاً، بعدما أنشأت أوروبا آلية الاستقرار الأوروبية عام 2012 لتوفير التمويل الطارئ للدول الأعضاء.
وتستطيع الآلية، التي تتخذ من لوكسمبورغ مقراً لها، تعبئة نحو 433 مليار يورو، مستندة إلى رأسمال يبلغ 81 مليار يورو، بينها 16 مليار يورو مساهمة فرنسية، مع إمكانية جمع بقية التمويل من أسواق الدين.
وبحسب فريدريك دوكروزيه، مدير الأبحاث الاقتصادية في "بيكتيه ويلث مانجمنت"، فإن أوروبا تملك القدرة على التدخل دون الحاجة إلى صندوق النقد الدولي، بينما يستبعد بيير جاييه، المسؤول السابق في بنك فرنسا، خضوع باريس لبرنامج إنقاذ دولي، لعدم مواجهتها أزمة في ميزان المدفوعات.
وتقدر احتياجات فرنسا التمويلية لعام 2027 بنحو 340 مليار يورو، ما يعني أن الموارد المتاحة لآلية الاستقرار الأوروبية تكفي نظرياً لتغطية احتياجاتها لأكثر من عام، حتى في حال فقدانها القدرة على الوصول إلى أسواق رأس المال.
اقتصاد فرنسا ينكمش وتحذيرات من تداعيات غياب النمو - موقع 24سجل الاقتصاد الفرنسي انكماشاً 0.1% خلال الربع الثالث من 2026، بعد استقراره في الربع الثاني وتراجعه 0.2% في الربع الأول، مخالفاً التوقعات التي رجحت تحقيق نمو 0.1%.
أدوات البنك المركزي الأوروبي
يملك البنك المركزي الأوروبي عدة أدوات لاحتواء اضطرابات سوق الديون الفرنسية، تبدأ بالتصريحات لطمأنة المستثمرين، إذ يرى جيل مويك، كبير الاقتصاديين لدى "أكسا"، أن إظهار الاستعداد للتدخل قد يكفي لتهدئة الأسواق دون الحاجة إلى شراء السندات فعلياً.
وتشمل الخيارات أيضاً إبطاء رفع أسعار الفائدة أو تعليق الزيادات مؤقتاً، بعدما ارتفعت من 2% إلى 2.5% منذ يونيو (حزيران) الماضي، فيما أشار كبير الاقتصاديين في البنك المركزي الأوروبي فيليب لين إلى ضرورة مراعاة تشديد الأوضاع المالية عند تحديد مسار السياسة النقدية.
كما يستطيع البنك إبطاء سياسة التشديد الكمي، بعدما تراجعت حيازاته من الدين الفرنسي من نحو 25% إلى 16%، ما زاد اعتماد الحكومة على المستثمرين لتمويل ديونها.
ويرى ألكسندر ستوت، الاقتصادي لدى "غولدمان ساكس"، أن هذه الخطوة قد تدعم الأسواق، بينما يستبعد فريدريك دوكروزيه، من "بيكتيه ويلث مانجمنت"، تغيير السياسة قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية في 2027.

شراء السندات.. آليتان بشروط مختلفة
يتمتع البنك المركزي الأوروبي بأداتين إضافيتين للتدخل المباشر في أسواق الديون، أولاهما برنامج المعاملات النقدية المباشرة (OMT)، الذي يسمح بشراء سندات الدول المتعثرة مقابل إصلاحات مالية صارمة، قد تشمل خفض الإنفاق وزيادة الضرائب.
كما يستطيع استخدام آلية حماية انتقال السياسة النقدية (TPI)، التي أُنشئت عام 2022، لشراء سندات الدول التي تواجه ارتفاعاً غير مبرر في تكاليف الاقتراض، دون فرض برنامج تقشف مباشر.
وتوضح "لوموند" أن تفعيل الآلية يتطلب الالتزام بالقواعد المالية الأوروبية، وإثبات أن اضطرابات الأسواق لا تعكس تدهوراً أساسياً في الأوضاع الاقتصادية.

موازنة 2027 تحدد فرص الإنقاذ
تؤكد "لوموند" أن إقرار موازنة 2027 يمثل اختباراً حاسماً لفرنسا، خصوصاً مع خضوعها لإجراءات العجز المفرط الأوروبية، ما قد يعقد حصولها على دعم البنك المركزي إذا تعثرت الإصلاحات.
ويبقى قرار التدخل بيد مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، وسط تباين بين مؤيدين لاحتواء الأزمة سريعاً، وآخرين يفضلون استمرار ضغوط الأسواق لدفع باريس نحو ضبط المالية العامة.
ورغم تعدد أدوات الإنقاذ الأوروبية، يشدد الخبراء على أنها قد تساعد فرنسا في تجنب أزمة تمويل واسعة، لكنها لا تعفي الحكومة من معالجة العجز وخفض الدين، باعتبارهما شرطين أساسيين لاستعادة ثقة المستثمرين.