احتجاج سابق في تونس بسبب غلاء المعيشة (أ ف ب)
احتجاج سابق في تونس بسبب غلاء المعيشة (أ ف ب)
السبت 7 نوفمبر 2026 / 16:47

موازنة تونس بين 2026 و2027.. ضغوط متراكمة ورهان "التعويل على الذات"

تحت شعار "التعويل على الذات" وفي ظل ظروف اقتصادية عالمية وإقليمية دقيقة، وضع البرلمان التونسي مشروع الموازنة لعام 2027 على طاولة البحث والنقاش، إذ تواجه الحكومة التونسية في هذا المشروع حزمة من التحديات الهيكلية والمعقدة، في مقدمتها الضغوط التضخمية، كلفة الأجور المتزايدة، وشح التمويل الخارجي، والعمل على وضع حلول وتعديلات لمعالجة هذه الأمور التي ظهرت في موازنة عام 2026.

​مقارنة بين موازنتي 2026 و2027

​تُظهر القراءة التحليلية للمشهد المالي في تونس تفاوتاً ملحوظاً بين أرقام موازنة العام الجاري 2026 ومشروع الموازنة الجديدة لعام 2027، حيث يتضح جلياً توجه الدولة نحو التوسع المالي الحذر.

​وفي الوقت الذي ارتفع فيه إجمالي النفقات العامة للدولة ليصل إلى نحو 22.22 مليار دولار أمريكي في الموازنة الجديدة، مقارنة بنحو 20.50 مليار دولار مسجلة في موازنة 2026، بنسبة نمو بلغت نحو 8.37%، سجلت الإيرادات العامة تحسناً طفيفاً لتستقر عند 17.50 مليار دولار، مقارنة بـ 16.95 مليار دولار في العام الجاري.

فاتورة الطاقة تربك موازنة تونس.. والواردات تضاعف الأعباء المعيشية - موقع 24تواجه تونس ضغوطاً مالية متصاعدة، مع ارتفاع فاتورة واردات الطاقة بنسبة 32% خلال 2026، واتساع العجز التجاري للطاقة إلى 10.48 مليار دينار (نحو 3.52 مليار دولار)، مقابل 8.1 مليار دينار (2.72 مليار دولار) خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وفق بيانات المعهد الوطني للإحصاء، ما يزيد الضغوط على المالية ...

​وتأتي هذه الإيرادات مدفوعة بشكل رئيسي بالضرائب التي قدرت في مشروع موازنة 2027 بنحو 16 مليار دولار، مقابل 15.41 مليار دولار في موازنة 2026. في المقابل، اتسع حجم عجز الموازنة المطلوب تغطيته ليبلغ نحو 4.71 مليار دولار، مسجلاً قفزة بنحو 28.6%، مقارنة بعجز عام 2026 الذي قُدر بنحو 3.66 مليار دولار.

​وعلى صعيد خدمة الدين، نجحت الحكومة في تقليص عبء سداد أصل الديون الإجمالية سواء الداخلية والخارجية، ليبلغ 4.29 مليار دولار مقارنة بـ 5.11 مليار دولار في 2026 بانخفاض نسبته 16%؛ إلا أن هذا التراجع قوبل بتصعيد حاد في الاعتماد على الاقتراض الداخلي، الذي قفز بنسبة 47 % ليبلغ 6.40 مليار دولار مقابل 4.35 مليار دولار في موازنة العام الجاري، في حين انخفض الاقتراض الخارجي بنسبة 27.6% ليستقر عند  2.21 مليار دولار، مقارنة بنحو 3.06 مليار دولار في موازنة 2026، وسط توقعات بارتفاع طفيف في نسبة النمو الاقتصادي المستهدفة لتصل إلى 3.1% مقابل 2.7% مقدرة لموازنة 2026.

ما هي التعديلات الجديدة ؟

أبدت الحكومة التونسية عبر مشروع موازنة 2027 مرونة أكبر في التعامل مع بعض الاختناقات الاقتصادية والاجتماعية من خلال آليات واستهدافات نوعية.

وشملت هذه التعديلات ​دعم التحول الرقمي والتجارة الإلكترونية، حيث خُفضت الرسوم الجمركية على الهواتف الذكية إلى 10%، مع إعفاء تام (0%) لأجهزة الدفع الإلكتروني، لتشجيع الاقتصاد الرقمي والشمول المالي.

كما تم ​تحفيز المؤسسات الصغرى والشباب، وتعهدت الدولة بتحمل مساهمات المؤجر في الضمان الاجتماعي للمؤسسات الصغرى الجديدة بنسب متدرجة، فضلاً عن إعادة تفعيل خطوط تمويل بفائدة ميسرة للشركات الناشئة ومشاريع ذوي الإعاقة.

وتم ​تخفيف ضغوط الدين الخارجي من خلال نجاح الإدارة المالية في خفض حجم مخصصات سداد أصل الدين الخارجي المباشر، مما خفف جزءاً من وطأة الالتزامات الخارجية على احتياطي النقد الأجنبي.

وتم إقرار خطوط قروض دون فائدة للأسر محدودة الدخل، إلى جانب تمديد شبكات الأمان الاجتماعي والدعم المباشر، لمنع انزلاق الطبقات الهشة تحت خط الفقر.

​ملفات معلقة 

و​على الرغم من الإصلاحات الجزئية، يظل الهيكل المالي للموازنة محكوماً بثلاثة تحديات هيكلية كبرى تمثل ضغطاً مستمراً على استدامة الاقتصاد الوطني أولها ​معضلة كتلة الأجور المرتفعة لقرابة 692 ألف موظف حكومي، والتي تمثل النصيب الأكبر، ورغم دورها الحيوي في الحفاظ على السلم الاجتماعي والقدرة الشرائية للموظفين، إلا أنها تستهلك الجزء الأكبر من موارد الضرائب وتضيق الخناق على الاستثمار العمومي والتنمية.

البعد الثاني يتمثل في ​مزاحمة القطاع الخاص عبر الاقتراض الداخلي، ويُمثل القفز بحجم الاقتراض المحلي إلى مستويات غير  مسبوقة بلغت 6.40 مليار دولار تحدياً مقلقاً للبنوك المحلية، حيث يخشى خبراء من تداعيات مزاحمة القطاع الخاص في الحصول على السيولة البنكية.

ومع استمرار غياب الاختراقات الكبرى في دمج الاقتصاد الموازي ومقاومة التهرب الضريبي، يظل عبء الضرائب متركزاً على المؤسسات النظامية، وهو ما يتطلب حلولاً أعمق لتوسيع القاعدة الإنتاجية.