قبل أيّام قليلة، وتحديداً في 1 نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، بدأت الاحتفالات بحلول الذكرى الستين لثورة الجزائر، حيث أُرّخ لبدايتها الرسميّة في هذا اليوم نفسه من عام 1954.
والحال أنّ ما من ثورة هُلّل لها كما هُلّل لثورة الجزائر. فقد أطلقت عليها تسمية "ثورة المليون شهيد" تدليلاً على التضحيات الهائلة التي قدّمها الجزائريّون ضدّ استعمار فرنسيّ اتّخذ شكلاً الاستيطان والضمّ. وعن "ثورة المليون شهيد" ظهرت مكتبة كاملة من أعمال الشعر والأدب والسينما والأغاني، فيما وفّر لها اهتمام كبار المثقّفين الفرنسيّين بها وبالموقف منها، من جون بول سارتر إلى ألبير كامو، ذيوعاً عالميّاً وجد ما يكمّله في تنظير الطبيب المارتينيكيّ الأصل، فرانس فانون، لها ولعنفها "الثوريّ". وكان ما يحفز هذه الوجهة أنّ الثورة الجزائريّة شكّلت الثورة الأهمّ ضدّ الاستعمار القديم، لا في العالمين العربيّ والإسلاميّ فحسب، بل في عموم "العالم الثالث"، حتّى ذاك الحين. وبسبب انتساب الجزائر إلى العالمين المذكورين، وفي الوقت نفسه إلى أفريقيا، بدت ثورتها بمثابة الرسالة الصارخة التي توجّهها ملايين هذه المناطق البائسة إلى العالم، محتجّةً على شِقّه الغنيّ وناطقةً بلسان شِقّه المتألّم.
أمّا عربيّاً بالتحديد، فكان أن تلقّف راديكاليّو المشرق، أي جمال عبد الناصر وحزب البعث، ثورة الجزائر وحوّلوها واحدة من أيقونات الحركة القوميّة العربيّة ودعوتها الوحدويّة. وقد زاد في هذا التداخل أنّ فرنسا شاركت بريطانيا وإسرائيل في الحرب على مصر عام 1956، والتي عُرفت بـ "حرب السويس" وبـ "العدوان الثلاثيّ"، ردّاً على دعم القاهرة لثورة الجزائر.
بطبيعة الحال غابت عن هذه الرواية الملحميّة أحداث وحقائق كثيرة، منها الدم الكثير الذي سال بين أطراف الثورة نفسها، خصوصاً مع تصفية جماعة مصالي الحاج الذي كان يُعتبر أب العمل الوطنيّ الجزائريّ، والتناقضات الجهويّة والإثنيّة (عرب – أمازيغ) التي حفّت بالمسيرة الثوريّة وكان لها دور أساسيّ في تشكيل قواها ثمّ في صراعهم اللاحق. وبدورهم أضاف القوميّون العرب في المشرق أكذوبة أخرى عن عروبيّة الثورة الجزائريّة، علماً أنّ العروبة لم يكن لها أيّ دور في الثورة التي تضافر الإسلام والدفاع عن العلاقات الأهليّة القديمة لإطلاقها.
على أيّة حال، لم تمهّد التجربة الثوريّة لأيّ نظام دستوريّ يُعتدّ به. فما إن انتهت الحرب مع فرنسا في 1962، حتّى كانت حرب الولايات الشهيرة بين أنصار أحمد بن بله والحكومة المؤقّتة برئاسة يوسف بن خدّة، وهي الحرب التي حسمها قائد جيش التحرير هواري بومدين لصالح الطرف الأوّل. بعد ذاك أقام بن بله نظاماً استبداديّاً لم يعمّر طويلاً، وكان بومدين نفسه مَن أطاحه في 1965، مخلّصاً البلد من الرومانسيّة الثوريّة من دون أن يُدخل أيّ تعديل فعليّ وجوهريّ على نظام الحزب الواحد. وفي أواخر أيّام بومدين، وخصوصاً بعد رحيله في 1978، بدأت التناقضات المكبوتة تتفجّر، فكان تمرّد منطقة القبائل الواسع والذي وجد تتويجه في 1981 بمطالبة تيزي أوزو بحقّ تقرير المصير. إلاّ أنّ الانفجار النوعيّ ما لبثت أن عاشته الجزائر على شكل حرب أهليّة افتتحها تزوير الانتخابات واستغرقت عقد التسعينات. وقد شهدت تلك الحرب سفكاً للدم وفظاعات تشارك فيها، من موقعين مختلفين، كلّ من الجيش والجبهات الإسلاميّة الراديكاليّة.
وبعد أن تعاقب على الحكم عدد من الرؤساء، وقد اغتيل أحدهم، محمّد بوضياف في 1992، استقرّ أمر البلد في يد عبد العزيز بوتفليقة، وزير خارجيّة بومدين والرئيس المجدَّد له على رغم شيخوخته ومرضه. وعلى النحو هذا آثر جيل الثورة الجزائريّة أن يقيم نظاماً ضيّقاً وسيّئاً، فلا يجد ما يواجه به المستجدّات الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وصعود عدد من الأجيال الشابّة المتلاحقة، سوى الرجوع إلى الخزنة العتيقة لتلك الثورة!