اعتُقل الشيخ المثير للجدل أحمد الأسير، حديثاً بمطار بيروت متنكراً في هيئة أشبه برون جيريمي منه بأبو بكر البغدادي، على حد وصف موقع "ديلي بيست" الإخباري الأمريكي في تقرير له.

ولفت التقرير إلى أن لكلٍ روايته الخاصة للمزحة، التي تناولت الهيئة التنكرية التي تبناها أمير الحرب الجهادي الموالي لتنظيم داعش بلبنان الشيخ أحمد الأسير والذي اعتُقل بعد ملاحقته لعامين في مطار بيروت السبت الماضي.

"تنكر سبعينياتي"
وقد أطلقت صحيفة غارديان البريطانية على هيئته مسمى "تنكر سبعينياتي"، حيث كان نسخة منقحة ومناسبة لجميع الناس أكثر من 13 سنة من نسخة أخرى من تنكر جاب موقع تويتر وعُرِفَ باسم "لباس نجوم السبعينيات الإباحيين"، وشبهته الصور الساخرة المحاكية بكريستيان بيل في فيلم American Hustle ونيكولاس كيج في فيلم Face/Off، وفي الثقافة العربية كان المرجع الأشهر لهيئته التنكرية الممثل السوري الكوميدي دريد لحام، وتحديداً شخصية "غوار الطوشي" والتي لعبها أيضاً في السبعينيات.



وهكذا كانت النهاية المأساوية للأسير، يقول التقرير، ذاك الشيخ المجاهد السُنيّ المسلم الذي انطلق من القاع إلى قمة الشهرة فأصبح الإرهابي الأشهر المطلوب أمام العدالة، وبين الحين والآخر الشخصية الشعبية والضيف المكرم بأبرز البرامج الحوارية، بعد أن حلق لحيته الممتدة لقدم كامل والتي زعم أنه أطلقها طوال عشرين عام، وصفف شعره بحيث يخفي الأجزاء الصلعاء من رأسه، وثبَّتَ شارباً وارتدى نظارة، ألقي القبض عليه أثناء محاولته استقلال طائرة متجهة إلى نيجيريا مروراً بالقاهرة، مستعيناً بجواز سفر فلسطيني مزور.

وظل أمر كشف أمن المطار تحديداً لهوية ذاك الرجل الذي كان مسافراً باسم "خالد علي العباسي" ومعرفة أنه الأسير سراً مصوناً، ولو أن ثمة تقارير غير مؤكدة تفيد بأنه تعرض لخيانة واحد من الفصائل السياسية بمخيم عين الحلوة لللاجئين الفلسطينيين، وهو واحد من أكثر بقاع الأرض تكدساً بالسكان وأكثرها فقراً، وموطن لكل الطوائف بداية من تنظيميْ داعش والقاعدة وحتى حماس والمرتزقة الموالية لسورية وإيران ودول الخليج، وبالتأكيد إسرائيل نفسها.

وإذ يقع المعسكر في قلب موطن الأسير، بمدينة صيدون اللبنانية الجنوبية، فمن المعتقد أنه المخبأ الذي التجأ إليه طوال الوقت منذ أن فر من مواجهة يائسة تماماً مع الجيش اللبناني في يونيو (حزيران) عام ،2013 أسفرت عن مقتل 18 جندي وعشرات من رجاله المسلحين، ولعله حتى كان يتوقع أن تفشل خطة فراره إذ أقر حسابه على موقع تويتر باعتقاله السبت الماضي "على يد جهات أمنية صفوية"، ونشر الموقع أيضاً "وصية" تركها "في حالة اعتقاله أو شهادته"، حث فيها "المجاهدين في شتى بقاع العالم، ولاسيما في العراق وبلاد الشام، على القدوم ومد يد المساعدة "للسُنَّة في لبنان (...) لأنني لا أعلم ماذا سيحل بي".

ويقول التقرير: "سنعرف ماذا سيحل به عندما يَمْثُل أمام القضاء في الخامس عشر من سبتمبر (أيلول) القادم، ضمن محكمة عسكرية طالب قاضيها بالفعل بتوقيع عقوبة الإعدام عليه وأكثر من 50 آخرين متهمين بالتورط في المعركة سالفة الذكر".

صعود وأفول
إذا كانت نهاية قصة الأسير مفاجأة، بحسب التقرير، فهي تتسق بالكامل مع الغرابة التي اتسم بها صعود نجمه من البداية، فقد تصدر عناوين الأخبار لأول مرة في أوائل عام 2012 عندما نظم، على خلاف مشايخ السُنَّة الذين يكتفون بحصر عظاتهم في المساجد المحلية وحسب، تظاهرة عنيفة في وسط مدينة بيروت الصاخبة، حيث لفت انتباه الجماهير بإدانته الجريئة للنظام السوري المستبد وحليفه اللبناني القوي حزب الله، وأعجب به قطاع كبير من الشعب، بمن فيهم عدد ليس بالقليل من المسيحيين.

وفي غضون أسابيع قليلة، أمسى ضيفاً مكرماً لمارسيل غانم، أندرسون كوبر أو جيريمي باكسمان لبنان، الذي خاطبه باسم "سماحة الشيخ".
وخطف الأسير الأضواء خلال البرنامج حيث أثار سخرية الجماهير، إذ قال "إنه ينوي الترشح إلى منصب الرئيس (وهو المنصب الذي يحتكره المسيحيون حصراً)".

وفي تلك الأيام، انصب وعظ الأسير على الجهاد السلمي المطلق بعيداً عن العنف مؤكداً على أن "حركتنا ستظل دوماً سلمية (...) ولا أستشرف أن تستخدم حركتي أسلحة من أي نوع وتحت أية ظروف".

وعندما صعَّدَ حراكه بغلق الطريق السريع المؤدي إلى الجزء الجنوبي المسلم الشيعي في أغلبه من لبنان، متعهداً بألا يتحرك قيد أنملة حتى يُسَلِّم حزب الله ترسانته كاملة، أعلن أنه وتابعيه سيواجهون جميع الخصوم غير السلميين "بصدورهم العارية" (وهي الخدعة التي من المفترض أن تُستثني منها النساء).

وربما جعله منهجه السلمي الممزوج بلفت الانتباه الدائم أبرز شخصية سلفية على مستوى العالم حيث التُقطت صورته من قبل وهو على صهوة فرسه وملقياً بكرات الثلج ولاعباً لكرة القدم في يوم آخر، ثم مصففاً شعره تصفيفة جديدة (لمزيد من الأنشطة، انظر "الشيخ الأسير يقوم بأنشطة مختلفة" على موقع Tumblr).

وبدأت الأجواء الاحتفائية في التراجع والخبوت بنهاية عام 2012، إذ دعاه مقتل اثنين من أنصاره أثناء تبادل لإطلاق النيران مع مسلحين مواليين لحزب الله على مقربة من معسكر عين الحلوة إلى الاستعانة بحراس مسلحين لحماية محيط مجمع مسجده.

وإذ نسترجع الماضي، سنجد أن هذا القرار أفضى إلى مواجهة حتمية مع الجيش الذي نشر مسلحيه عند نقطة تفتيش جديدة على بعد أمتار من المسجد.

وخلال تلك الأثناء، زاد الأسير الطين بلة، إذ أعلن في أبريل (نيسان) عام 2013 عن تشكيل ميليشيا بغية بدء "الجهاد" دفاعاً عن مدينة القصير السورية، فتعرض بعدها لهجوم بلا هوادة من حزب الله والقوات الجوية السورية، وسافر الأسير حتى لفترة وجيزة إلى القصير حيث نشر صوراً ومقاطع فيديو لنفسه وهو يخوض وبندقيته في يده في الخنادق وجالساً على دبابة ومحاطاً بالمتمردين ومطلقاً النيران من مدفع رشاش ثقيل من سطح بناية.

وانفجر المشهد بعد شهرين عندما أفضى النزاع ما بين أنصار الأسير والجنود المتمركزين خارج مسجده إلى التدافع ومن بعده إطلاق النيران الذي تبعته نيران قنابل صاروخية.

وبث الأسير مقطع فيديو يدعو فيه أنصاره إلى الانضمام إلى المعركة، ودعا فيه الجنود على ترك الجيش، فأعلن بذلك فعلياً حرباً شاملة.

واشتعلت المعارك العنيفة القاتلة لقرابة 30 ساعة قبل أن ينجح الجيش، بمساعدة مستترة من حزب الله، في اجتياح مجمع المسجد، ولم يُعْثَر على أي أثر للأسير الذي أقسم بأن يصمد ولا يتحرك قيد أنملة "حتى ينال الشهادة".

الصحوات
وخلال العامين التاليين لذاك اليوم، خاطب الأسير بين الحين والآخر أتباعه الذين يزيدون على 250.000 على تويتر حيث تجاوز المدى وتطرف تطرفاً شديداً مخلصاً للشكل الذي تبناه منذ البداية، وعندما وافق حزب حركة المستقبل السني اللبناني على اتفاقية مشتركة مع حزب الله في فبراير (شباط) عام 2014، سخر منهم الأسير واصفاً الحزب بـ "الصحوات"، وهو اتهام بالخيانة فيه إلماع للقبائل العراقية السُنيّة التي ساعدت الولايات المتحدة في حربها ضد تنظيم القاعدة في العراق بداية من عام 2006، وحقيقة الأمر أن حركة المستقبل "أخطر بكثير" من كلٍ من حزب الله و"الصهاينة"، بحسب تصريح الأسير، لأنها "تشن حرباً علينا من داخل الإسلام السُني".

وفي تلك الأثناء، أمسى الشيعة في عرفه "روافض"، وهي صفة مذمومة، بينما المسيحيون "صليبيين"، وفي هذا الوصف طَابَقَ خطاب الأسير خطاب تنظيم داعش الذي أمسى مؤيداً متحمساً له حيث "بارك" "انتصاراته" في الموصل في يوليو (تموز) 2014، كما بارك "تحريره" لمدينة الرمادي في مايو (أيار) 2015.

وشن الأسير هجوماً على التحالف المضاد لتنظيم داعش بقيادة أمريكية باعتباره "تحالف الكفر لضرب المسلمين"، وهاجم بشدة السعودية لقصفها تنظيم داعش، لكنه أحجم عن توجيه نقده للرئيس السوري الأسد وحزب الله.

وكتب الأسير في تغريده حصلت على ما يربو على 6000 إعادة تغريد أن "قولوا ما تشاؤون عن مجاهدي داعش لكن أقسم بالله أن دمائهم الطاهرة لا تذكرني إلا بدماء صحابة (النبي محمد) الأطهار".