من النادر أن يصل مواطن من غزة إلى أي مكان في الضفة الغربية، إنه انقطاع مأساوي بين جزأين لوطن واحد وشريحتين من شعب واحد.
وحين يصل إلى الضفة رجل أو امرأة من غزة يبدو كما لو أنه قادم من كوكب آخر، ويتلقفه الناس هنا ويمطرونه بالأسئلة عن الحياة في ذلك المكان النائي، وكيف يتعايش الناس مع احتلال يطبق على أنفاسهم بالنار والحصار، وكيف يكابدون نظاماً لا يقدم لهم سوى الاقتراحات بالصبر دون أن يروا بصيص أمل بالخلاص من هذا الصبر المزمن.

التقيت مع وفد وصل من غزة، وقد راعني ما قاله عضو في الوفد حول العبور من منفذ ايريز واسمه الغزي منفذ بيت حانون الشمالي، حيث من يحصل على تصريح إسرائيلي بالعبور لابد أن يحصل على تصريح من سلطة حماس، وغالباً ما يعاد حاملي التصاريح إلى بيوتهم من قبل حماس دون ذكر الأسباب، ذلك ليس كل شيء فيما يخص المعبر، بل هناك شيء يدعى ترقب الوصول للقادمين إلى غزة بحيث يعامل من يوجد اسمه تحت هذا البند مثلما يعامل في أي بلد آخر، فإما أن يعاد من حيث أتى حتى لو كان فلسطينياً، وإما أن ينتظر ساعات كي يسمح له بالدخول، وإما أن يخضع لتحقيق قد يتطور إلى اعتقال.

أما في داخل غزة فقد سمعت كلاماً تقشعر له الأبدان، فقد صار السرطان مرضاً شعبياً يصاب به كثيرون، وليس سوى قلة قليلة من تحظى بعلاج من هذا المرض الفتاك، ويشرب الناس هناك ماء مملحاً، فهذا هو الماء العام في غزة، ومن أين يأتي الفقراء بما يشترون به ماء معدنياً، وانتشرت في غزة المدينة التاريخية العريقة والغنية ظاهرة التسول التي رفضها المجتمع الفلسطيني بفعل الكبرياء، وقالت لنا عضو في وفد غزة إنها شاهدت رب عائلة وزوجته وأطفاله يفترشون الأرض ويلتحفون السماء كما يقال، ولا تدل ملامحهم على أنهم امتهنوا التسول يوماً، إلا أنهم انتدبوا أصغر أطفال العائلة ليقف على إشارة المرور بعيداً عنهم لعله يحظى ما يقيم أودهم ولو بالخبز الحاف.

كل ذلك من أجل ماذا؟
وما هو الهدف الذي من أجله تصل غزة إلى ما وصلت إليه من المهانة والذل والجوع والمرض. إن غزة المدينة التاريخية والتي تصلح عاصمة ثانية بعد القدس لفلسطين، وتملك كل إمكانيات المدينة الحقيقية المحاذية للبحر المفتوح على باقي العالم، إن غزة هذه تذوي كل يوم، تتغذى على ما تبقى من لحمها الحي وتنجب أولاداً وبناتاً، تنتظرهم الشوارع للتسول وتنتظرهم الطائرات الاسرائيلية للقصف، وتنتظرهم المدارس ليس للتعلم وإنما للإيواء، غزة هذه لم تعد تعرف شيئاً عن الضفة الأخرى من الوطن، فالذين يعرفون حين كانت الأبواب مفتوحة، قضوا نحبهم، أما الذين ما يزالون على قيد الحياة فليس مسموحاً لهم أن يروا باقي فلسطين التي يقرأون عنها في كتب الجغرافيا ولا يشاهدونها حتى في أحلامهم وتخيلاتهم، فهل هنالك مأساة أفدح من هذه المأساة، وهل هنالك هدف يتطلب كل هذا الأذى كي نفسر به هذه المأساة، وحيال ذلك لابد وأن ينهض السؤال البديهي الذي يدور في أذهان الغزيين ومحبيهم، متى يزول هذا الواقع المأساوي، متى يتنفس الغزيون هواء نقياً ويشربون ماء نظيفاً ويشاهدون ما وراء الحواجز المغلقة والبحر الممنوع عليهم، ومتى تنظم المدارس رحلات للطلبة كي يتعرفوا على بلادهم، لن نوجه هذا السؤال إلى إسرائيل المحتلة والمحاصرة، بل نوجهه إلى الذين يحكمون غزة بالفعل، فهل لديهم الجواب؟