جال الصحافي الأمريكي بن هوبارد من صحيفة نيويورك تايمز في أحد سجون الجهاديين في السعودية وسجل انطباعاته عن برنامج إعادة تأهيل متورطين بجرائم إرهابية خارج المملكة.
"المتزوجون من أربعة نساء، يحصلون على زيارة كل أسبوع"
تؤمَّن للزيارات العائلية غرف واسعة مع كنبات وطاولات، وحتى السجناء الذين يعتبرون خطيرين يحصلون على "زيارات خاصة" أيضاً من زوجاتهم في غرف صغيرة ذات جدران وأسرة زهرية
استهل هوبارد تقريره بنظرة عامة على ظروف السجناء الذين سماهم "نزلاء" ، فقال إنهم يحصلون على مفاتيح ممغنطة لغرفهم وثلاث وجبات يومية وينامون في أجنحة فخمة فيها أجهزة تلفزيونية ذات شاشات عملاقة وأسرة كبيرة الحجم وأوراق لامعة للجدران.
تسمى تلك الأجنحة "المنزل العائلي"، وهي تبدو كفنادق صغيرة عصرية، ولكن من دون نوافذ ومع جدران عالية تسور المبنى الذي يشكل واحداً من السجون المخصصة للجهاديين والذي يخضع لإجراءات أمنية مشددة.
وصمم المكان ليوفر راحة للجهاديين الذين يحسنون التصرف، بعيداً من حياة السجن، ولمساعدتهم على إعادة التواصل مع زوجاتهم وأولادهم.
ويعتبر هذا الدعم الإيجابي رمز للمقاربة السعودية للجهاديين المحليين الذين نفذوا جرائمهم في الخارج. فهؤلاء الذين لم يشاركوا في هجمات في وطنهم يعتبرون على نطاق واسع سعوديين ضالين، يحتاجون إلى إعادة تصحيح أفكارهم للعودة إلى المجتمع كأشخاص صالحين.
واحد من 5 منشآت للسجناء
ويقول بن هوبارد إن هذه المقاربة كانت واضحة خلال جولة في سجن الحاير جنوب الرياض، وهو واحد من خمس منشآت تأوي أكثر من خسمة آلاف سجين مدانين بجرائم متصلة بالإرهاب.
وقال دليل بدين ذو شاربين رافق الصحافي وعرف عن نفسه باسم مستعار هو أبو نواف لاسباب أمنية: "لدينا هنا كل أنواع الإرهاب.. السجن ليس لمعاقبة شخص ثم تركه يرحل.. هذا خطر عليه وعلى المجتمع. إذا خرج وكان صالحاً مع نفسه وعائلته ومجتمعه فهذا أفضل".
ويقول مسؤولون سعوديون إن الانتكاسات قليلة، وإن يكن أبو نواف لا يقدم أي أرقام.
سوران عاليان
ويقع المبنى الضخم الذي لا يحمل أي علامات استثنائية عند أطراف الصحراء، ويطوقه سوران عاليان تتخللهما بوابات محروسة جيداً. وهو يضم 1700 سجين، جميعهم رجال، يقيمون في عنابر متصلة بممرات ببيضاء. أما البوابات الحديد والأبواب وأكشاك الحراسة فهي أرجوانية.
ويقول أبو نواف إن جميع السجناء يحصلون على بعض المكاسب، على غرار منحة شهرية تعادل 400 دولار بدل نفقات واحتمال "إطلاق موقت". ويحصل سجين يذهب لحضور زفاف قريب له على 2666 دولاراً لتقديمها هدية.
زيارات خاصة
وتؤمن للزيارات العائلية غرف واسعة مع كنبات وطاولات، وحتى السجناء الذين يعتبرون خطيرين يحصلون على "زيارات خاصة" أيضاً من زوجاتهم في غرف صغيرة ذات جدران وأسرة زهرية، وبراد صغير وحمام. ويحق لكل زوجة أن تزور زوجها مرة في الشهر. ويوضح أبو نواف أن "أولئك المتزوجين أربعة نساء، يحصلون على زيارة كل أسبوع".
ويحق للسجناء الذين ينتظرون حكم الإعدام بهذه الزيارات الخاصة أيضاً. ولا يرى أبو نواف مشكلة في كون هؤلاء قادرين على الإنجاب، ويقول: "هذا ليس حقهم فحسب، إنه حق زوجاتهم أيضاً".
أطباء نفسيون
وفي مكان قريب من سجن الحائر يقع الفرع المحلي لمركز الأمير محمد بن نايف للمشورة والعناية، وهو برنامج إصلاحي يضم أطباء نفسيين ورجال دين يحاولون إبعاد السجناء عن التطرف بتعليمهم ما يسميه ناصر العجمي، الطبيب النفسي العامل مع المركز، "أفكار الشريعة الصحيحة".
ويخضع السجناء الواصلين حديثاً إلى تقويم نفسي لتحديد العوامل الإجتماعية التي قد تكون أدت إلى تطرفهم، مثل المخدرات أو الكحول أو المشاكل العائلية أو التسكع مع أشخاص غير صالحين، بحسب العجمي.
المعتقدات الخاطئة
وعند الحاجة، يلتقي السجناء رجال دين. ويقول الشيخ خالد العبدان إن عمله يشمل أحياناً تصحيح المعتقدات الخاطئة عن الجهاد وإبلاغ السجناء إن الحروب في سوريا والعراق ليست جهاداً لأنها تتعلق بالطائفية والسياسة أكثر مما تخص الدين. وهو يشدد أيضًا على فكرة وجوب إطاعة الأفراد لحكامهم لا إعلان الجهاد ضدهم.
الشيعة
وعندما يُسأل ماذا يعلّم السجناء في ما يخص الشيعة، أجاب إنه يمكن السجناء أن يفكروا بما يريدون، ولكن المهم ألا تكون أفكارهم عنفية، ويشير الصحافي إلى لافتة على أحد الجدران سجلت فيها أعداد الدورات الناجحة والمشاركين فيها.
مكتبة وعطر وشطرنج
في نهاية ممر أبيض تصطف فيه غرف السجناء، هناك فناء فيه عشب اصطناعي ونافذة حديدية مشبكة يسمح فيها للسجناء بالتدخين وتنشق هواء نقي. وهناك أيضاً حانة صغيرة تبيع المشروبات والسندويشات وغرفة يسمح فيها للسجناء بإجراء اتصالات هاتفية مراقبة ومكتبة صغيرة.
وعلى رفوف المكتبة صحف وكتب عن الدين والتعليم، بما فيها "الانكليزية للمبتدئين" وترجمة عربية لـ"العادة الثامنة" وهو تكملة لـ"العادات السبع للناس الأكثر فاعلية" غير المتوافر في المكتبة.
وضمت حجرة قريبة خمسة سجناء لكل منهم سرير ومجموعة رفوف عليها كتب وزجاجات عطر ولعبة شطرنج.
وروى السجين عبدالله محمد (29 سنة) إنه كان يدرس الشريعة في جامعة الرياض عام 2014 عندما أقنعته صور عن العنف في سوريا بالسفر إلى هناك والانضمام إلى جبهة النصرة. وقال: "رأيت أشخاصاً تركوا منازلهم وصاروا لاجئين، لذا أردت إنقاذهم.. ذهبت إلى هناك ولكنني صدمت بالفوضى. الناس يقتلون بعضهم حتى أنك لا تعرف من هو صديقك ومن هو عدوك".
لذا هرب إلى تركيا حيث ساعدته السفارة السعودية على العودة إلى بلاده. في حينه كانت الحكومة تعفو عن المقاتلين الذين يحاربون في الخارج، لذا لم يودع السجن فوراً، ولكنه تورط لاحقاً في أمور أخرى فانتهى خلف القضبان. وألقى باللوم عن معاناته لا على القرارات السيئة أو المعتقدات الخاطئة، وإنما على حكومة الولايات المتحدة ووسائل إعلامها، قائلاً: "أنا ضحية الحكومة الأمريكية ووسائل الإعلام الأمريكية".