ترك تناوب المآسي والحروب والانقسامات على قطاع غزة ندبات لا يشفيها الزمن القريب، القطاع المحاصر إسرائيلياً منذ احماس السيطرة عليه في 2007، يدخل سكانه في مرحلة صعبة للغاية في ظل تراجع المساعدات، وانحسار الأمل.
فبعد الحروب الثلاثة التي خلفت دماراً كبيراً في العمران، وفي الإنسان، الذي أصبح يواجه معوقات كثيره، تفصله عن واقعه، وتدفعه للتعلق بأبسط صور الأمل، باتت غزة على شفى انفجار خطير، يتخفى بين الركام المحطم.
الإحصائيات الصادرة عن مراكز الصحة العالمية، والأمم المتحدة، لا تبشر بخير، فسكان القطاع باتوا يعانون وبحسب وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" من زيادة في حالات الاكتئاب والانتحار والحالات النفسية وتعاطي المخدرات.
التقرير الصادر عن "الأونروا" في 30 يونيو (حزيران)، أكد أن هناك تفاقم في حدة المشكلات الاجتماعية في قطاع غزة المحاصر إسرائيلياً منذ منتصف عام 2007، متأثراً أيضاً بالبطالة المرتفعة وتدهور والاقتصاد والتجارة.
أضرار نفسية
تؤكد صحيفة "اندبندنت" في تقرير لها، أن معظم العائلات في قطاع غزة تعاني من مشاكل نفسيه جراء الحرب أو فقدان أحد أفرادها، أو تهدم منازلها. عائلة غالية غرابلي كانت واحدة من العائلات الكثيرة التي تعكس صورة عامة عن القطاع الفلسطيني، وتؤكد غالية غرابلي (35 سنة) وهي أم لأربعة أطفال أن عائلتها تعاني من سلسلة مآس شخصية فاقمها استشهاد ابنها محمد ذو الـ15 عاماً برصاص الاحتلال الإسرائيلي، ما أدى لدخول شقيقته نور في حالة اكتئاب صعبة أدت لفقدانها القدرة على الكلام. كما تعرض منزل عائلة غرابلي للقصف في الحروب الثلاثة الأخيرة على غزة.
المجلس النرويجي للاجئين، يحاول جاهداً إدارة برامج دعم نفسي لسكان القطاع، ويقدر المجلس أن ثلثي القصر في غزة يعانون من ضائقة نفسية واجتماعية. وكشفت دراسة للمجلس في مارس (آذار) الماضي، أن 81% من تلاميذ المدارس يصارعون أكاديمياً بسبب الضغط المرتبط بالحصار المفروض على غزة.
أبو حسين ماضي، يؤكد أن برامج الدعم النفسي ساعدت ابنه نبيل البالغ من العمر 11 عاماً والذي يعاني من نوبات أحلام مزعجة أثناء نومه، بالتحسن تدريجياً، خاصة وأنه تأثر كثيراً بفقدان شقيقه محمد الذي استشهد في مسيرات العودة.
ومع ذلك فإن برامج الدعم النفسي المهمة لسكان القطاع، باتت مهددة في ظل نقص الدعم المالي المقدم للقطاع، ويؤكد رئيس وحدة دعم الصحة العقلية والنفسية في الأونروا بغزة إياد زقوت، إنه على الرغم من ازدياد الحالات التي تعاني من مشاكل نفسية، إلا أن الوكالة اضطرت لخفض برامجها بسبب نقص الأموال بعد قطع الولايات المتحدة الدعم عنها، والذي تسبب بعجز قيمته 400 مليون دولار.
وتؤكد التقارير، أن الأونروا اضطرت لخفض ميزانية برامج الصحة العقلية لإبقاء أبواب المدارس مفتوحة، وإطعام مليون شخص يعتمدون بشكل رئيسي على مساعداتها.
ويؤكد الدكتور زقوت، أن برامج الدعم النفسي استطاعت معالجة 10 آلاف حالة في العام الماضي، مقارنة بمعالجة 25 ألف حالة في 2017. ويوضح زقوت أن الوكالة اضطرت لفصل أكثر من 80 مرشد نفسي بسبب الضغوط المادية.
ويؤكد مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة، في تقرير صادر بيونيو (حزيران) 2017، أنه ومنذ عام 2014 وجميع الموظفين المدنيين الذين وظفتهم سلطات حماس، ويبلغ عددهم 22 ألف موظف، يحصلون على أقل من نصف رواتبهم، على أساس غير منتظم. أما الموظفون الآخرون في غزة والبالغ عددهم 62 ألف موظف، الذين يتقاضون رواتبهم من السلطة الفلسطينية، استقطعت من رواتبهم نسبة 30-50٪ منذ مارس (آذار) 2017.
كما تسببت الخلافات الداخلية الناتجة عن الانقسام والمتعلقة بتمويل الوقود بإغلاق محطة كهرباء غزة في أبريل (نيسان) 2017، لكن استأنفت المحطة عملياتها جزئياً في أواخر يونيو (حزيران) على الوقود الذي تم شراؤه من مصر. في مايو (أيار) 2017، قررت السلطة الفلسطينية خفض قيمة فاتورة الكهرباء التي تدفعها إلى إسرائيل مقابل الكهرباء التي توفرها لقطاع غزة. وفي يونيو (حزيران) بدأت إسرائيل تخفيض إمدادات الكهرباء إلى قطاع غزة بنسبة 40%.
بدنا نعيش
وفي مارس (آذار) 2019، انطلقت احتجاجات "بدنا نعيش" ضد حكومة حماس والتي نظمها نشطاء إعلاميين مستقلين، ولقيت انتشاراً واسعاً بين العديد من الشباب في قطاع غزة. لكن جاء رد حركة الحاكمة سريعاً، إذ قام رجال الأمن بتفريق المتظاهرين باستخدام العنف، كما يتضح من أشرطة الفيديو التي تنتشر على مواقع الإنترنت. كذلك قام حراس الأمن أثناء المظاهرة وبعدها باعتقال العديد من المحتجين رغم أنهم طالبوا بحقوقهم البسيطة المتمثلة في إيجاد حل لظروفهم المعيشية البائسة ومستقبلهم الضائع.
حماس التي قمعت الاحتجاجات بكل قوة، لم تطرح أي خطة لاحتواء الأزمة وطمأنة الشارع بل فرضت ضرائب جديدة على سلع عديدة. كما اشتكى المحتجون من أن الحقوق والحريات لم تعد مصونة. وبدلاً من ذلك، يواجه الناس الاضطهاد أو الاعتقال أو التخويف أو الشيطنة.
قطر تغذي الانقسام
قطر كانت وما زالت طرفاً ثالثاً يغذي الانقسام الفلسطيني، ورغم محاولتها الظهور بصورة الداعم للفلسطينيين في غزة، إلا أن حقيقتها اتضحت بعد تقارير صادرة عن حركة "فتح" الفلسطينية، وصحف عبرية على رأسها صحيفة "هآرتس"، أكدت أن "قطر حولت لقطاع غزة أكثر من 1.1 مليار دولار منذ العام 2012 إلى 2018، وجميع المبالغ دخلت قطاع غزة بموافقة حكومة الاحتلال".
وتؤكد التقارير، أن الأموال القطرية تذهب إلى تغذية الانقسام الفلسطيني وتستولي عليها حركة حماس ولا يستفيد منها إنسان القطاع الذي يعيش في ظروف قاسية.
وفي مارس (آذار) الماضي، قال عضو المجلس الثوري لحركة فتح عمر حلمي الغول، إن الأموال القطرية حُولت لحركة حماس، ولم تُحول للمواطن الفلسطيني، وهو جزء من علاقة التحالف والتكافل بين دولة قطر والتي تعتبر أحد مراكز الإخوان، وحركة الانقلاب في غزة، ولم يصل الجماهير الفلسطينية في غزة أي من هذه الأموال، كما جميع المساعدات التي تدخل غزة تقوم حركة حماس بالسيطرة عليها.