لا تحتاج إلى استئذان، تلك هي منصات التواصل التي تسللت إلى المنازل العربية، وألغت الحواجز والنوافذ والأبواب، حتى صارت الحياة اليومية متاحة على يوتيوب وتيك توك وغيرها من التطبيقات التي جعلت الجانب الشخصي متاحاً في "شارع عام".

وتعاني أسر عربية من غزو المحتوى غير  الهادف، وسيطرته على عقول وسلوكيات أطفالهم الذين أصبحوا الهدف الأول لتلك المنصات.
والأخطر، وفق الاستشاري النفسي والتربوي الأردني موسى مطارنة، أن المحتوى العائلي في مواقع التواصل الاجتماعي "استباح قدسية العائلة، ودمر الخصوصية الأسرية"، معتبراً أن "الأطفال أصبحوا متطلبين لبناء كيان مستقل عبر يوتيوب أو تيك توك وغيرهما"، معتقدين أن وجودهم على المنصات جزء من استقلاليتهم.

"أنصالة فاميلي"

هي واحدة من أشهر قنوات اليوتيوب العربية التي كان لها تأثير لافت على كثير من العائلات، ويقدر عدد مشاهداتها على يوتيوب بنحو ملياري مشاهدة، وأكثر من 15 مليون مشترك، وتنشر محتوى عائلياً لأنس وأصالة وأبنائهما ويومياتهم.

ووصل مدى تأثيرهما أن المتابعين باتوا يقلدون المحتوى الخاص بهما، بغض النظر عن مدى فائدته، ففي أحد الفيديوهات اشترى أنس مروة لزوجته أصالة المالح في مطلع 2021 نجمة في الفضاء بمبلغ باهظ الثمن، وقاما بتصوير ردة فعلهما، ما دفع أحد الأشخاص لتكرار التجربة وشراء نجمة أخرى.

 


وبعد أن جمع الثنائي ملايين المشاهدات على قناتهما العربية، قدما اعتذاراً لجمهورهما بسبب توقفهما عن النشر عبر هذه القناة، واكتفائهما بالنشر على القناة الأجنبية.

واستهجن متابعون قرارهما، معتبرين أن السبب وراء ذلك سعيهما لجني مبالغ أعلى من مشاهدة الفيديوهات.

وبحسب المطارنة، فإن "أغلب المدونين أصبحوا يستغلون الجانب العائلي لكسب المادة، وبات الأمر كأنهم يتاجرون بعوائلهم"، موضحاً أنه "بيع خصوصية العائلة للجمهور". ويضيف "لهذا فإن المكنون النفسي هو إسقاط، يعني عدم احترام خصوصية كلمة الأسرة".
ويوضح أن "الأصل في كلمة أسرة هو الأمان والاستقرار والهدوء وبناء منظومة اجتماعية أخلاقية أساسها المجتمع"، معتبراً أن "للأسرة خصوصية يتجرد فيها الإنسان من كل الهموم والشكليات ليستقر في بيئة هادئة قائمة على الحب لا على نشر الخاص والعام في تفاصيلها".

إخلال بالآداب

إلا أن الأكثر جدلاً وخطورة، هي  المضامين الاجتماعية التي تبث عبر بعض صناع محتوى يوتيوب، ومنهم أحمد حسن وزوجته زينب، مالكا قناة "AZ FAMILY" إذ تعرضا أكثر من مرة للمساءلة القانونية لقيامهما بـ"ما يخل بالآداب العامة" بحسب الكثيرين.

يبالغ مالكو القنوات العائلية للوصول إلى أعلى المشاهدات، وتقديمها على المسؤولية الاجتماعية، لذا يرى مطارنة أن "هؤلاء ينشرون ما يناسب أهواءهم، ولا يوجد لديهم ضابط اجتماعي في شخصياتهم، وأن هذا خلل نفسي في التركيبة والتنشئة الاجتماعية والبناء الذاتي"، معتبراً أن هذا الخلل من شأنه أن ينعكس على سلوكياتهم واحترامهم لذواتهم، لذا تصبح رسالتهم عامة ودونية غير موجهة".
كثير من المراهقين أو الأطفال، بحسب مطارنة، يرون هؤلاء "المؤثرين" قدوة ومثالاً يحتذى به "رغم أنها نماذج تربوية غير سليمة تقدم للأطفال، لأنها تشوه المفهوم السليم للعائلة في ذهن الطفل، فالعائلة يجب أن تقدم للطفل باعتبارها مصدراً للطمأنينة والسعادة، ومن هنا تأتي أهمية التحذير من مشاهدة الأطفال للمحتوى المقدم من قبل القنوات العائلية، لأن الطفل لا يميز الغث من السمين".

ويختم مطارنة بأن "هذه المنظومة غير الملتزمة بالأخلاق صورت ثقافة جديدة لا تناسب القيم العربية، فقد دمر المؤثرون بأفعالهم وحرياتهم المفتعلة منظومة قديمة لبناء أخرى، لذا يتوجب على القانون أن يراقب هذا النتاج بغية الحفاظ على نشأة الجيل وخصوصيته بشكل عام"