نشرت صحيفة "زود دويتشه تسايتونج" الألمانية تقريراً سلطت فيه الضوء على المأزق الذي وضع المالكي نفسه؛ فبينما يكسب الإسلاميون أرضية في العراق ويطلب رئيس الوزراء نوري المالكي المساعدة، تقول أمريكا إنها لن تُقدِم على تقديم أي مساعدة إلا في حالة استقالته أولاً. ولكن هذا ليس هو السبب الوحيد في احتمال سقوطه؛ فإدارته التي ارتكزت على المحسوبية والفساد وسياسته القمعية ضد السُنّة كلها أمور تعجل بالإطاحة به.

واستهلت الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى إحدى العبارات التقليدية التي انتشرت كثيراً هذه الأيام وتقول بأن العراق يدخل فصلاً جديداً من الكراهية التاريخية بين المسلمين السُنّة والشيعة؛ يقوم أهل السنة- وهم أنصار صدام حسين القدامى ومعهم تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام (المعروف اختصاراً باسم "داعش")- بقتال الشيعة، وهو ما يعني في المقام الأول مناهضتهم لرئيس الوزراء الشيعي نوري المالكي. وينذر هذا القتال باندلاع حرب دينية من الممكن أن لا تكتفي بتمزيق العلاقات إرباً إرباً وإنما حدود ما بعد الاستعمار بل والبنية السياسية الكاملة في الشرق الأوسط.

ولفتت الصحيفة إلى أن هناك ملاحظة أخرى تتردد هنا وهناك مفادها عدم وجود جديد فيما يحدث طالما كان هناك ديكتاتور لا يجعل الجماعات غير المتجانسة تتعايش معاً.

يبدو كل هذا منطقياً، كما تؤكد الصحيفة، ولكنه يمثل نصف الحقيقة فقط؛ فغالباً ما يكون الطغاة هم من يستخدمون المنافسات الدينية والعرقية ويديرونها ويزكّونها. وينطبق هذا الكلام على بشار الأسد سوريا، وانطبق على العراق في عهد صدام حسين. وينطبق أيضاً على المالكي الشيعي الذي دفع، بسبب سياساته الخاطئة، بأهل السنة إلى أحضان أعدائه.

واعتبرت الصحيفة المالكي صنيعة الأمريكان والإيرانيين، مستبعدةً في الوقت نفسه نجاته من هذه الأزمة. وبينما يستمر المتطرفون في كسب الأرض، أرسل باراك أوباما حاملة طائرات إلى المنطقة، ولكن يقول مسؤولون عسكريون أمريكيون إنهم لن يشنوا أي هجوم جوي ضد ’داعش‘، وهو ما طلبه المالكي، ما لم يقوم رئيس الوزراء العراقي بتقديم استقالته.
تقول الصحيفة إن أوباما يريد أن يتنحى المالكي من أجل تشكيل حكومة موحدة من السُنّة والشيعة والأكراد. وتريد إيران الشيعية الثيوقراطية أن تتمتع بنفوذ على 60٪ من الشيعة في العراق وتمارس الهيمنة الشيعية في المنطقة، في وجود المالكي أو عدم وجوده.

وبحسب الصحيفة، فإنه سيكون من السذاجة أن يظن أوباما أن بإمكانه استغلال الأزمة العراقية لإقامة علاقات دائمة مع إيران واعتبار ذلك بمثابة ضربة معلم دبلوماسية حقيقية، فقتاله ضد "داعش" يمكن أن يقرّب العلاقات بين البلدين على المدى القريب، ولكن رؤية الإيرانيين بعيدة المدى حول مستقبل المنطقة مختلفة جدا بحيث لن يصمد أي ود على المدى الطويل.

وألقت الصحيفة الضوء على قصة صعود المالكي في العراق فتقول إن محمد حسن نوري المالكي ابن عائلة من النشطاء الشيعة، وقد وُلد في 20 يونيو (حزيران) 1950 على ضفاف نهر الفرات، بالقرب من مدينة الحِلّة في جنوب العراق. وحارب جده البريطانيين، وقاتل والده ضد قوة جديدة هي حزب البعث- وهو حزب علماني ولكن ذو أغلبية سُنية- وانتهى المطاف بكليهما في السجن.

درس المالكي الأدب العربي، ويُقال أنه لا يزال يقتبس في كلامه من كلاسيكيات ما قبل الإسلام. وعندما كان طالباً، التحق بمنظمة شيعية سرية هي ’الدعوة‘ وعمل من أجل إنشاء دولة إسلامية.

لم يكن قد بلغ الثلاثين من العمر عندما أدت الثورة الإسلامية في إيران المجاورة إلى صعود صدام حسين إلى السلطة ووصول الشيعة (أكبر ثاني فرقة في الإسلام) إلى السلطة السياسية. قام دكتاتور العراق الجديد بتثبيت سلطة السُنة واضطهد الشيعة خلال حربه مع إيران وبعد التمرد الشيعي الذي بزغ عقب حرب الخليج الأولى.

قام نظام صدام حسين بقتل 150 ألف شخص، معظمهم من الشيعة. في البداية، دعمت أمريكا التمرد الشيعي ثم خذلتهم. هرب المالكي من العراق عام 1979 وعاش في المنفى لما يقرب من 25 عاماً. وخلال هذه الفترة، قام بتأييد عدة جهود مختلفة لإطاحة صدام حسين ورعاية المشاعر المعادية للولايات المتحدة. بعد سقوط صدام حسين في عام 2003، عاد المالكي إلى العراق. وبرغم دعم الأمريكيين له ليشغل منصب رئيس الوزراء في عام 2006، فلم ينس لهم أبداً خيانتهم للشيعة قبل عقود.

ورأت الصحيفة أن ضغط المالكي على واشنطن لإرسال قوات إلى بغداد من التطورات غير المتوقعة، وشبّهت سلوكه بالتصرفات التقليدية للحكام المستبدين الذين يبدءون بتقديم وعود لجميع الشركاء الدينيين والسياسيين والعرقيين ولكنهم يمضون قدماً بعد ذلك في استغلال القوة فحسب لتحقيق المزيد من السلطة واضطهاد الرفاق السابقين.

سلالة عائلية حاكمة؟

الآن، بعد انتصار حزبه "دولة القانون" في الانتخابات النيابية التي جرت في أبريل عام 2014، يخشى الكثيرون من العراقيين أن يحاول المالكي المطالبة بشغل منصب رئيس الوزراء مدى الحياة أو ما هو أسوأ، كأن يعلن ابنه القوي بالفعل، أحمد، خلفاً له في سلالة حاكمة جديدة.

في وقت متأخر من عام 2009، عيّن المالكي بعض السُنة العراقيين في الحكومة. ولكن القوات الأمريكية لم تكن خارج البلاد يوم أصدر مذكرة لاعتقال نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي، وهو السياسي السُني الأبرز. هرب الهاشمي خارج البلاد وحُكم عليه بالإعدام غيابيّاً منذ ذلك الحين.

ميزت هذه الخطوة بداية صعود المالكي وهبوط الديمقراطية الوليدة في العراق. لقد كان هناك فساد ومحسوبية بين الشيعة الموالين الذين اختلسوا إيرادات النفط التي وصلت إلى 90 مليار دولار في عام 2013. وهناك عشرات الآلاف من الرجال السُنة في السجون، حسبما يقول نشطاء في مجال حقوق الإنسان، كما تعرضت نساء أهل السُنة للاختطاف والتعذيب والاغتصاب.

تشعر القبائل السُنية التي ساعدت المالكي والولايات المتحدة في مطاردة تنظيم القاعدة في وقت من الأوقات بتعرضها للخيانة. بالإضافة إلى ذلك، قام المالكي في الأشهر الأخيرة بمقع الاحتجاجات السُنية في محافظة الأنبار بوحشية، مخلفاً وراءه مئات القتلى. في الوقت نفسه، كانت الراية السوداء للإسلاميين الراديكاليين ترفرف في الرمادي، ونحن الآن أن نعرف أن صعود نجم ميليشيات داعش بدأ في تلك الفترة.

وأشارت الصحيفة الألمانية إلى أن ليس كل الشيعة مع رئيس الوزراء، وأن منافسه الشيعي القديم مقتدى الصدر أحد أكبر مشاكله، فهو رجل دين شعبوي وزعيم ميليشيا معادية للولايات المتحدة. في عام 2008، عندما وطد الصدر قدمه هو وجيشه في البصرة، أرسل المالكي جيشه ضده، وهو ما أجبر القوات الأمريكية على التدخل لتحقيق هذا المسعى، وتم التفاوض في النهاية على وقف إطلاق النار.

واختتمت الصحيفة تقريرها بالقول: "يدعو الصدر الآن إلى حشد المتطوعين للدفاع عن المدن الشيعية المقدسة في النجف وكربلاء وسامراء. وبينما تصدر عن الدولة تصريحات غامضة، دقت ساعة الميليشيات، وأصبح مصير زعيم سياسي فاشل آخر في الشرق الأوسط أكثر غموضاً من أي وقت مضى".