تتقدّم مكانة الدين أكثر فأكثر في أوروبا، فيما يخشى البلجيكيون بشكل خاص أن يُتّهموا بكراهية الإسلام، إذا ما تحدّثوا عن الأخطار التي يشكّلها تغلغل تنظيم الإخوان الإرهابي في المجتمع والدولة، لذا فهم يبقون صامتين.

وبينما وعد الائتلاف الذي يقوده رئيس الوزراء بارت دي ويفر، بتغيير الوضع، إلا أن المجتمع البلجيكي الواقع تحت ضغوط الإسلاموية، لا يزال يبدو مشلولاً.

وبالمقابل، يرى خبراء في الإسلام السياسي، أن المسلمين المعتدلين الذين يناهضون الإخوان، لا يحصلون على المساعدة أو الدعم أو الاستماع لهم بشكل كافٍ، وهو ما قد يساعد في وضع استراتيجية مشتركة ضدّ الأيديولوجيات المتطرفة.

اقتصاد إخواني لا يخدم المسلمين

وبات المسلمون يشكّلون نحو 12% من سكان بلجيكا البالغ 11 مليون نسمة، إلا أنهم في بروكسل، عاصمة الاتحاد الأوروبي، يشكّلون حوالي 23% من إجمالي السكان، حسب دراسات رسمية يرى البعض أنه مبالغ بها وتابعة لمؤسسات يمينية، لدرجة أنه بعد الاستقراءات الأخيرة، وعلى هذا الوتيرة، ستكون عاصمة أوروبا ذات أغلبية مسلمة في غضون 15 عاماً، أي في عام 2040. ويرجع ذلك إلى تزايد عدد السكان المسلمين بسرعة نتيجة استمرارية الهجرة ونسبة الولادات المرتفعة للغاية.

وحاز تحقيق مطوّل ومعمّق نشرته المجلة الأسبوعية التي تصدر عن يومية "لو فيغارو" الفرنسية، أصداء واسعة في بلجيكا وفرنسا، حيث ذكر معدّا التقرير المحللان الفرنسيان نجاة شيريجوي وجوديث وينتراوب، أن عاصمة أوروبا تغيرت بشكل واضح على مدى السنوات الماضية، وباتت ملامح الإسلاموية واضحة جداً وبشكل متزايد في شوارع بروكسل، وخاصة عبر الاقتصاد التابع للإخوان من المطاعم والتجارة إلى صالونات تصفيف الشعر ومتاجر الملابس، وهو اقتصاد أحادي لا يخدم  المسلمين، بل الإسلامويين وأجنداتهم فقط.

40 عاماً من التراخي

وعلّق الإمام حسن الشلغومي، حول ذلك بالقول إن "الوضع في بلجيكا مثير للقلق، فبعد مرور سنوات طويلة، تنبّه الاتحاد الأوروبي والسلطات البلجيكية إلى النفوذ الهائل للإخوان المسلمين. وإذا لم يتم اتخاذ الإجراءات السياسية اللازمة، فإن بروكسل قد تكون مركز التوترات المجتمعية في أوروبا. ومن الملح كذلك أن يحشد مسلمو بلجيكا جهودهم لمكافحة هذا التطرّف الذي يغرز في مجتمعاتنا".

وتحدث مدرس بلجيكي سابق، يدعى بيتر، للصحيفة الفرنسية قائلاً إنه "استسلم لعمى السياسيين المحليين"، متهماً الحكومات المتعاقبة صراحة بـ "40 عاماً من الإهمال والتراخي"، عبر زرع المخاوف من الاتهامات بالعنصرية والعداء تجاه المسلمين، في حال تبنّي مواقف مناهضة للإخوان.

سرطان إخواني ينخر الدولة

وكشف بشكل خاص عن تحوّل سياسي خطير، تمثّل في تحوّل جهاديين إلى شخصيات محلية مؤثرة بعد انخراطهم في العمل السياسي، على الرغم من أنهم يدعون صراحة إلى إنهاء الديمقراطية وإقامة دولة إسلامية في البلاد، وذلك على غرار فؤاد بلقاسم زعيم جماعة الشريعة في بلجيكا، والذي حُكم عليه بالسجن عدّة مرات وفقد جنسيته البلجيكية لتورطه في تجنيد مقاتلين متطرفين في سوريا.

كما بدأت تظهر في المشهد السياسي قوائم متشددة مثل قائمة فؤاد أحيدار، التي أحدثت مفاجأة ضمن الانتخابات الأوروبية في يونيو (حزيران) 2024، حيث فازت لائحة حزبه الجديد بـ 5 مقاعد. وحزبه منشق عن الاشتراكيين الديمقراطيين البلجيكيين، بعد أن تمّ طرده منه بسبب توجهاته المتطرفة.

ويقلق هذا الاختراق ألين، ممثلة منتخبة لبلدية أندرلخت في بروكسل، التي تلقي باللوم على أصحاب السلطة الذين قرروا عمداً التعامل مع الناخبين الإسلامويين، قائلة بغضب: "فريق فؤاد أحيدار هو بمثابة سرطان لبلدنا". وبرأيها فإن النظام السياسي البلجيكي، الفيدرالي الثلاثي اللغات - الفرنسية والهولندية والألمانية – يتميّز بالتعقيد الذي يساعد على دخول الإسلاميين وجماعات الضغط.

الجامعة هدف إخواني مميز

من جهته، يقول جوليان إنه لا يملك الكلمات القاسية الكافية لوصف السياسيين اليساريين في بلجيكا، معتبراً أن "ما يحدث في هذا البلد كارثي". 

ويشكو محقق الشرطة الجنائية في منطقة والونيا، من قمع الصحافة من قبل اليسار الإسلامي بفضل ما تمارسه جماعة الإخوان من نفوذ كبير، حتى إن منظمة "الائتلاف المناهض للإسلاموفوبيا"، التي تمّ حلّها في فرنسا، قد وجدت ملجأ لها في بلجيكا، وأطلقت على نفسها اسم "الائتلاف ضدّ الإسلاموفوبيا في أوروبا".

ويورد مثالاً حول تصاعد دور الإخوان في المجتمع، ما تقوم به لصالح الإسلام السياسي النائبة البلجيكية فريدة طاهر، زعيمة المجموعة الخضراء في برلمان بروكسل وعضو مجلس الشيوخ، وهي التي تلقّت تدريباً لمدة 4 سنوات في أكاديمية العلوم الإسلامية والثقافية في بلجيكا.

وتُعتبر الجامعة البلجيكية، مثل المدرسة، هدفاً مميزاً للتوسّع الإخواني. ففي 8 فبراير (شباط) الماضي، شاركت نادية جيرتس، وهي ناشطة نسوية علمانية، في تنظيم مؤتمر حول الصعوبات التي يواجهها المعلّمون عندما يواجهون مطالب طلابهم، وخاصة تلك المرتبطة بالهوية والدين.

وذكرت أن كثيرين منهم قد توقفوا عن اصطحاب طلابهم الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و18 عاماً إلى متاحف الفنون الجميلة، بسبب "الخطر الكبير المتمثّل في حدوث اضطرابات أمام التماثيل العارية المنحوتة أو المرسومة، سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً"، وذلك بالإضافة إلى رفض بعض الطلاب دراسة مواد معيّنة لأسباب دينية، حيث يقولون إن مناقشة تلك المواضيع "حرام".

وتحذّر جيرتس من أن "النظام التعليمي البلجيكي يشجّع على دخول الإسلاميين إلى المدارس، لأن مدرّسي الدين لا يخضعون لسلطة إدارة المدرسة أو وزير التعليم، بل لسلطة هيئة القيادة الدينية، التي تستطيع وحدها التحكم في محتوى الدورات المقدمة داخل البلديات للعاملين في المدارس".