نهض الجنود الأوكرانيون قبيل الفجر وهم ويفركون أعينهم ويلفّون أكياس نومهم في مخبأ تحت الأرض بالقرب من خط الجبهة في شرق البلاد. لم يكن يومهم سيتطلب منهم التحرك بعيداً. إذ بقي معظمهم في القبو، يعملون على لوحات المفاتيح وأجهزة التحكم، لتسيير الطائرات دون طيار.

في لحظة حساسة تمر بها أوكرانيا بين أمل في أن تُفضي محادثات وقف إطلاق النار التي يقودها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إنهاء الحرب، وخشية من انسحاب الولايات المتحدة دعمها العسكري، كان هؤلاء الجنود يشاركون في مبادرة أطلقها الجيش الأوكراني، تأمل كييف أن تُمكّنها من مواصلة القتال حتى لو غابت الأسلحة الأمريكية، حسب تقرير في صحيفة "نيويورك تايمز".

إشارات متناقضة

يوم الأحد، وبعد أسبوع من القتال المتواصل في أوكرانيا، شمل أعنف هجوم على العاصمة كييف منذ قرابة عام، أصدرت إدارة ترامب إشارات متناقضة حول المرحلة المقبلة.

فقد عقد ترامب اجتماعاً قصيراً مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال عطلة نهاية الأسبوع، وصفه ترامب بجيد، ثم صرّح لاحقاً بأنه لا يستبعد إرسال مزيد من الأسلحة. لكن وزير الخارجية ماركو روبيو قال إن الولايات المتحدة باتت قريبة من الانسحاب من طاولة السلام، مشيراً إلى أن الأسبوع المقبل سيكون "غاية في الأهمية".

وإذا فشلت محادثات السلام، أو قررت الولايات المتحدة وقف شحن الأسلحة، فمن المرجّح أن يكتسب برنامج الطائرات دون طيار الأوكراني أهمية أكبر من أي وقت مضى، حسب الصحيفة التي أشارت إلى أن هذا البرنامج، الذي يعرف بـ"خط الطائرات دون طيار"، يركز على استخدام أنظمة غير مأهولة تجمع في أوكرانيا، وغالبيتها عبارة عن طائرات صغيرة متفجرة تُطلَق من مخابئ تحت الأرض.

قدرة أوكرانيا على الابتكار

ويمثل البرنامج تذكيراً آخر بقدرة أوكرانيا على الابتكار في خضم هذه الحرب، وهي القدرة التي ساعدتها على مواجهة عدو أكبر حجماً. ويقول قائد الفرقة التي تعمل من القبو في شرق أوكرانيا: "لم تعد المعركة بين رجل وآخر"، طالباً التعريف به فقط باسمه الأول ورتبته العسكرية: الجندي أرتيم.

حتى قبل إطلاق البرنامج، كانت أوكرانيا تعتمد بشدة على الأسلحة غير المأهولة، والتي، حسب الجيش الأوكراني، تتسبب حالياً في حوالي 70% من الإصابات في الحرب على الجانبين، أكثر من جميع الأسلحة الأخرى مجتمعة، بما فيها الدبابات والمدفعية الثقيلة وقذائف الهاون والألغام الأرضية.

وبينما يزود الجيش الأوكراني بجزء من هذه الأسلحة من الولايات المتحدة، إلا أن الطائرات تجمع محلياً من مكونات معظمها صيني الصنع.

الخطة "ب" لكييف

ويعدّ توسيع البرنامج، الذي حضر له منذ خريف العام الماضي وأُعلن رسمياً في فبراير (شباط)، بمثابة خطة "ب" لكييف، في حال فشلت المحادثات الرامية لإنهاء الحرب التي بدأت بالهجوم الروسي الشامل في 2022.

تحوم الطائرات دون طيار، من الطرفين باستمرار فوق أرض المعركة. وفي هذه الحرب التكنولوجية، تتمتع روسيا بأفضلية عددية، بينما تتميز أوكرانيا بتفوق نوعي، إذ غالباً ما تكون سبّاقة في تبني الابتكارات التكنولوجية الجديدة، مثل استخدام طائرات إعادة البث لتمديد مدى الطائرات المفخخة، وتوجيه الطائرات عبر خيوط ألياف ضوئية رفيعة لا تتأثر بالتشويش.

ورغم أن استراتيجية "خط الطائرات دون طيار" طغت عليها محادثات وقف إطلاق النار، إلى جانب تقييم ترامب المتشائم لحظوظ أوكرانيا دون الدعم الأمريكي "أنتم لا تملكون الأوراق"، التي قالها لزيلينسكي خلال لقاء متوتر في المكتب البيضاوي، إلا أن نشر هذه الطائرات بدأ يؤتي ثماره، حسب محللين عسكريين.

ويُعزى إليه جزئياً التباطؤ الذي طرأ على الهجوم الروسي في الأشهر الثلاثة الماضية. إذ توقفت القوات الروسية، التي تقدمت في الخريف، بشكل شبه كامل منذ يناير (كانون الثاني)، رغم الهجمات المكلفة التي شنّتها.

بلغ الهجوم الروسي ذروته في نوفمبر (تشرين الثاني)، حين سيطرت القوات الروسية على 279 ميلاً مربعاً من الأراضي الأوكرانية، وفق تحليل لمجموعة "ديب ستيت"، المرتبطة بالجيش الأوكراني.

وفي مارس (آذار)، لم تتجاوز المساحات التي استولت عليها روسيا 51 ميلاً مربعاً فقط، حسب نفس التحليل. أما المكسب الرئيسي لروسيا في الشتاء، فكان طرد أوكرانيا من كل أو معظم منطقة كورسك  الروسية.

خط الطائرات دون طيار

يهدف البرنامج الأوكراني إلى تحويل أربع كتائب طائرات دون طيار إلى أفواج كاملة، بحيث تتوسع كل كتيبة من نحو 700 إلى 2500 جندي، مسلّحين بطائرات دون طيار من طراز الرؤية المباشرة، وأخرى لإسقاط القنابل، وأنظمة برية غير مأهولة، بما يشمل مركبات يمكن التحكم فيها عن بُعد ومزودة برشاشات.

وكما أن الحروب عبر التاريخ تدفع نحو الابتكار من اختراع الرادار خلال الحرب العالمية الثانية، إلى نظارات الرؤية الليلية خلال حرب فيتنام، فإن استراتيجية أوكرانيا مع الطائرات دون طيار، وُلدت أيضاً من ضعف رئيسي، هو التراجع المتزايد في حماسة الأوكرانيين للانخراط في الجيش بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب. ومع تفشي التهرب من التجنيد، أصبح تعويض النقص في الجنود تحدياً كبيراً، بحسب الصحيفة.

ولا تُعد الطائرات دون طيار، بديلاً عن الجنود البشريين؛ فكل طلعة لطائرة رؤية مباشرة قد تتطلب 4 جنود: طيار، وملاح، وفني تجهيز الذخيرة، وطيار طائرة إعادة البث.

ومع ذلك، فإن استقطاب متطوعين لهذه الوحدات أسهل من تجنيد مشاة سيخدمون في الخنادق.

ولأن أوكرانيا تملك عدداً جنود أقل مقارنة مع روسيا، فإنها تسعى لتقليل الاشتباكات المباشرة. وهنا يكمن دور الطائرات دون طيار. وتركّز الاستراتيجية على شريط أرضي بعمق نحو 18 ميلاً خلف الخطوط الروسية. عبر إغراق الأجواء فوق هذه المنطقة بطائرات استطلاع وضربات، يمكن منع الجنود الروس من التجمع لشن هجمات. والطائرات دون طيار، التي تطير بسرعة نحو 80 ميلاً في الساعة، يمكنها التفوق على أي تحرك أرضي.

الدعم الأمريكي

يقول مايكل كوفمان، الباحث البارز في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي: "التقييم العادل هو أن هذه الاستراتيجية تؤتي ثمارها"، مشيراً إلى أن نقص المعدات الروسية والظروف الجوية الشتوية كان لهما دور أيضاً.

ويضيف كوفمان أن الهدف هو تصميم قوة "يمكنها السيطرة على أجزاء واسعة من الجبهة" وأن تظل صامدة دون مساعدة أمريكية. ومع ذلك، لا تزال أوكرانيا تعتمد بشكل كبير على الولايات المتحدة والدول الأوروبية في أنظمة الدفاع الجوي لحماية مدنها من الصواريخ بعيدة المدى.

وقد مرت أوكرانيا بتجربة في العام الماضي، عندما عرقل الجمهوريون في الكونغرس تمرير حزمة إنفاق إضافية لدعمها. فنفدت ذخائر المدفعية لدرجة أن بعض الطواقم لم تطلق إلا قذائف دخانية. وفي إحدى مناطق الجبهة، قرب بلدة تشاسيف يار، عوضت أطقم الطائرات دون طيار النقص بهجمات مكثفة عطّلت الهجوم الروسي.

وتكلف هذه الطائرات ما بين 500 و750 دولاراً للواحدة، مقارنةً مع قذائف المدفعية الثقيلة التي يبلغ سعرها حوالي 3000 دولار.

وبدأت جيوش أخرى تلاحظ هذه التطورات؛ إذ شكّل سلاح مشاة البحرية الأمريكي هذا العام أول وحدة تجريبية للطائرات  الهجومية دون طيار، التي تعمل بطائرات الرؤية المباشرة.

ويخدم الجندي أرتيم مع "فوج آخيل"، إحدى الوحدات التي توسعت ضمن البرنامج. وهو، مثل خُمس المجندين الآخرين في الفوج، كان مبرمجاً سابقاً في قطاع التكنولوجيا الأوكراني المزدهر قبل الهجوم الروسي.

وحشية الحرب

ورغم أن طواقم الطائرات دون طيار، تعمل عادةً تحت غطاء على بعد نحو ثلاثة أميال خلف الجبهة، إلا أنها ليست بمنأى عن وحشية الحرب أو خطرها.

ففي يوم الجمعة، رصد الطاقم الأوكراني جندياً روسياً مكشوفاً يعدو عبر مرج أخضر على ضفة نهر أوسكيل، محاولاً الاحتماء بين الأشجار. إلا أن الإطار الأخير الذي ظهر على شاشة الطائرة أظهر صورة مقربة لتمويه عسكري، ما يوحي بأنه لم ينجُ.

في وقت لاحق من اليوم نفسه، بقي الجنود الأوكرانيون الذين أعدوا الطائرات للإطلاق في الخفاء، بعدما حلقت طائرة روسية دون طيار، فوق رؤوسهم قبل أن تتحطم قربهم بانفجار مدوٍّ