تصادف اليوم ذكرى ميلاد الروائي المصري القدير جمال أحمد الغيطاني في 9 مايو (أيار) 1945، والذي يعتبر أحد أبرز الروائيين والصحافيين في مصر والوطن العربي، تميز بأسلوبه الجميل الذي يمزج فيه بين التراث العربي والتقنيات السردية الحديثة، واعتبره النقاد من المجددين في الرواية العربية.

ينحدر الغيطاني من صعيد مصر، وقد انتقل مع أسرته إلى القاهرة عام 1950 واستقر في حي الجمالية، الذي لعب دوراً كبيراً في تشكيل وعيه وذائقته الإبداعية، وقد درس في مدرسة الفنون والصنائع، وتخرج كفني تصميم سجاد شرقي عام 1962.

التحق عام 1966 في العمل الصحفي وانضم لمؤسسة أخبار اليوم، ثم عمل مراسلاً حربياً خلال حرب الاستنزاف وحرب أكتوبر 1973، حيث نقل تفاصيل دقيقة عن وقائع الجبهة، وفيما بعد تولى رئاسة تحرير صحيفة "أخبار الأدب" منذ تأسيسها عام 1993 وحتى عام 2011.

اطلع على العديد من أعمال التراث العربي، وتأثر فيها خاصة التراث الصوفي والتاريخي، كما تأثر بأسلوب نجيب محفوظ، حيث جمع بين اللغة التراثية والصور الحداثية، واستلهم في كثير من أعماله اللغة والأسلوب من كتب التراث مثل "مقامات الحريري" و"رسائل إخوان الصفا". 

تزوَج الغيطاني من ماجدة الجندي وهي من أبرز الصحفيات في مصر، وعاش معها حياة أسرية مستقرة، وأجواء ساهمت في تألقه الإبداعي، حيث أصدر عام 1969 كتابه "أوراق شاب عاش منذ ألف  عام" الذي كان بداية نضجه الأدبي، وفي عام 1974 أصدر روايته الشهيرة، "الزيني بركات" التي استلهمها من تاريخ المماليك، وفي عام 1976 أصدر رواية "وقائع حارة الزعفراني" التي حملت أجواء سحرية وغرائبية.

كما صدر له "متون الأهرام"(1994) وهو عمل تأملي فلسفي ذو طابع رمزي، مستلهم من الأهرامات المصرية، وأثناء عامي 1990 و 1992 أصدر أكثر أعماله عمقا، ثلاثية "التجليات" التي كانت ذات طابع صوفي وشخصي.

ثم صدر له مشروع كتابي فريد، يخلط بين السيرة، والرؤيا، والوقائع اليومية، بعنوان "دفاتر التدوين" ويتكون من عدة أجزاء، كما كتب عملاً استوحاه من التراث الصوفي، بعنوان "رسالة في الصبابة والوجد"، ومن أعماله الأخيرة التي تداخل فيها اليومي بالتاريخي كتابه "نثار المحو".

وبناء على ما قدم من نتاج أدبي متميز استحق الغيطاني العديد من الجوائز والتكريمات، منها  وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى (مصر)، ثم  وسام الاستحقاق الفرنسي من درجة فارس عام 1987، و جائزة الدولة التشجيعية في الرواي(1980)، ثم جائزة الدولة التقديرية في الآداب ، وفاز أيضا بجائزة الشيخ زايد للكتاب في فرع الآداب، كما تم تكريمه من معرض القاهرة الدولي للكتاب، وتم تحويل بعض أعماله إلى أعمال درامية.

تناول النقاد أعمال جمال الغيطاني بكثير من الاهتمام والاحترام، واعتبروه أحد أبرز مجددي السرد العربي المعاصر، وقد جاءت قراءاتهم متباينة في التركيز، لكنها تقاطعت حول نقاط جوهرية، أبرزها أسلوبه الفريد، وتجديده للغة السرد، واستلهامه العميق للتراث.

ورأى عدد من النقاد أن الغيطاني أعاد الروح إلى اللغة العربية الكلاسيكية، فاستعان بمفردات وأساليب من كتب التراث مثل "المقامات"، و"البيان والتبيين"، و"كليلة ودمنة"، وبرع في توظيفها في سياقات حديثة عكست قضايا الإنسان المعاصر.

وحظيت روايته "التجليات" بإعجاب النقاد المهتمين بالصوفية والفلسفة، حيث تمثل رحلة في الذات والكون والغيبيات، واعتبروه أحد أبرز من أدخلوا الروح الصوفية في السرد العربي الحديث، لكن في المقابل نظر البعض للرواية على أنها عصية على الفهم وتحتاج قارئاً مثقفًا ومتمرّسًا.

واعتبر كثير من النقاد أن الغيطاني هو "ابن شرعي" لنجيب محفوظ، خاصة أنه انطلق من نفس البيئة (حي الجمالية)، لكنه شق لنفسه خطّاً مميزاً بابتعاده عن الواقعية الكلاسيكية واتجاهه إلى الرمزية والتجريب.

ووصف الناقد رجاء النقاش نتاج الغيطاني قائلا: " إنه يمثل مرحلة نضوج الرواية العربية التي التحمت بالتاريخ والهوية دون أن تفقد فنّيتها". 

وفي أكتوبر (تشرين الأول) عام 2015، رحل جمال الغيطاني عن عالمنا تاركاً بصمات خالدة، وإرث أدبي باذخ الجمال.