حذر كريستيان ويتون، المستشار السابق في إدارتي بوش وترامب، من أن الضربة الأوكرانية الأخيرة ضد العمق الروسي تمثل استفزازاً خطيراً هدفه الحقيقي هو دفع الولايات المتحدة نحو تدخل أعمق في النزاع، بل وربما التورط في مواجهة مباشرة مع موسكو.
ورأى الكاتب في مقاله بموقع Capitalist Notes أن هذا التصعيد لا يخدم المصالح الحيوية للأمن القومي الأمريكي، بل يقرّب واشنطن من حافة حرب كبرى لا ضرورة لها.
وسلط الكاتب الضوء على العملية العسكرية الأوكرانية التي استهدفت، في يونيو (حزيران) 2025، قاذفات نووية استراتيجية داخل الأراضي الروسية، والتي تشكل أحد أركان "الثالوث النووي" الروسي.
وتساءل الكاتب: ماذا لو قامت قوة أجنبية، مدعومة بأسلحة روسية ومعلومات استخباراتية، بتدمير قاذفات نووية أمريكية من طراز B-2 أو B-52: كيف كانت واشنطن سترد في هذه الحالة؟ بالتفاوض أم بالغضب؟
سذاجة خطيرة
وأضاف أن قول بعض وسائل الإعلام، مثل صحيفة "نيويورك بوست"، إن الهجوم سيدفع بوتين للسلام ما هو إلا نوع من "السذاجة الخطيرة".
وأوضح الكاتب أن هذا الهجوم لا يغيّر في ميزان القوى العسكري على الأرض، حيث تخسر أوكرانيا تدريجياً حرب استنزاف أمام روسيا، بل يمثل تصعيداً استراتيجياً يعرض التوازن النووي العالمي للخطر.
وبحسب العقيدة العسكرية الروسية، فإن أي تهديد جدي لقدرات الرد النووي الروسي - حتى لو كان بوسائل تقليدية - قد يُبرر ضربة نووية استباقية.
وحذّر الكاتب من أن احتمال استخدام روسيا للسلاح النووي، رغم أنه لا يزال منخفضاً، لم يعد مستبعداً بالكامل.
هجمات انتقامية
وتوقع ويتون أن يكون الرد الروسي بشن ضربات انتقامية قاسية على المدن الأوكرانية، حيث سيدفع المدنيون الثمن الأكبر.
ورأى الكاتب أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ربما تعمّد هذا التصعيد لاستفزاز رد روسي يُجبر الرئيس دونالد ترامب على إعادة فتح قنوات الدعم العسكري والمالي التي كانت مفتوحة في عهد بايدن، مما يسمح بتمديد أمد الحرب.
الموقف الألماني
وخص الكاتب ألمانيا بالانتقاد، مشيراً إلى أن زيارة المستشار الألماني فريدريش ميرتس المرتقبة إلى البيت الأبيض في 5 يونيو (حزيران)، تأتي في توقيت رمزي غير ملائم، إذ تتزامن مع ذكرى "إنزال النورماندي" لقوات الحلفاء في 1944.
واتهم الكاتب ميرتس بتضليل واشنطن عبر الترويج لمخصصات مالية ألمانية ضخمة موعودة لتعزيز الدفاع الأوروبي. وذكّر بأن ألمانيا كانت قد تعهدت سابقاً بزيادة إنفاقها العسكري عند اندلاع الحرب، لكنها لم تفِ بتعهدها، معتبراً أن برلين تعوّل مجدداً على الولايات المتحدة لتغطية التكاليف.
وفي السياق الأمريكي، أشار الكاتب إلى أن الرئيس ترامب نفى علمه المسبق بالهجوم الأوكراني، في حين أجرى وزير الخارجية ماركو روبيو محادثة هاتفية مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، وهو ما عدّه الكاتب تطوراً إيجابياً يعكس حرصاً على ضبط التصعيد. لكنه حذر من بعض المسؤولين الأمريكيين، مثل ستيف ويتكوف والجنرال المتقاعد كيث كيلوغ، ممن يدفعون نحو مسار تصعيدي يشبه توجهات زيلينسكي.
ورأى ويتون أن المصلحة الأمريكية تقتضي الآن اعتماد سياسة "حياد غير محدد المدة" تجاه الحرب الأوكرانية. ويعني ذلك وقف جميع أشكال الدعم العسكري أو الاستخباراتي أو المالي لأطراف النزاع.
التجربة الأمريكية والحرب الإسبانية
وأشار الكاتب في هذا السياق إلى التجربة الأمريكية خلال الحرب الأهلية الإسبانية (1936-1939)، حين التزمت واشنطن الحياد رغم تعقيدات الصراع، وخرجت بموقع استراتيجي أكثر أماناً واستفادة معرفية دون أي تورط.
وخلص ويتون إلى أن تبني هذا الحياد سيمكّن الولايات المتحدة لاحقاً من لعب دور تفاوضي، أو الانسحاب من الملف برمّته دون التورط في حرب نووية أو مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا. ولفت الكاتب النظر إلى مقولة الجنرال الأمريكي عمر برادلي، الذي وصف التورط الأمريكي المحتمل في حرب مع الصين خلال الحرب الكورية بأنه "الحرب الخاطئة، في المكان الخاطئ، في الزمن الخاطئ، ومع العدو الخاطئ"؛ وهو الوصف الذي يراه الكاتب مناسباً تماماً لأي مواجهة أمريكية محتملة مع موسكو اليوم.