في افتتاحية لاذعة اختارت صحيفة "الغارديان" العنوان أعلاه كي يختزل المشهد المأساوي في غزة، وسلّطت الصحيفة البريطانية الضوء على ما وصفته بأنه تطهير عرقي مقنّع تحت ستار الإنسانية والحديث عن السلام.

أدانت الصحيفة خطاب حكومة نتانياهو بوصفه محاولة لطمس الحقيقة وتضليل الرأي العام العالمي، في وقت تتواصل فيه المجازر والتجويع الممنهج بحق المدنيين.

وبينما عبّر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو عن سعادته بترشيح دونالد ترامب لجائزة نوبل للسلام، في زيارة لواشنطن، ترى الصحيفة أن السرور الحقيقي لنتانياهو لا يعود للسلام المزعوم، بل للدعم الأمريكي غير المشروط في حربه على إيران وتغاضي واشنطن عن الجرائم المرتكبة في غزة.

ففي ظل هدنة قصيرة، وُثّقت عودة إسرائيل إلى استهداف المدنيين والبنية التحتية في القطاع، بينما تسعى لتفادي أي ضغوط أمريكية لوقف إطلاق النار أو لفتح ممرّات إنسانية دائمة.

اللغة أداة لتزييف الواقع

وأشارت الصحيفة إلى أن الخطاب السياسي الإسرائيلي تحوّل إلى آلة تزييف تتعمد إفراغ الكلمات من مضمونها، فتُستخدم "الإنسانية" لتبرير الحصار، و"السلام" لتغطية الإبادة، و"إعادة الإعمار" كذريعة للهدم.

وسلطت الصحيفة الضوء على خطة وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، التي تنص على إنشاء "مدينة إنسانية"، بينما هي في حقيقتها معسكر اعتقال جماعي. ووصف المؤرخ المتخصص في دراسات الهولوكوست، البروفيسور عاموس غولدبرغ، هذه الخطة بدقة قائلاً: "إنها ليست سوى محطة عبور تمهّد لطرد جماعي للفلسطينيين".

جيل من المبتورين في غزة.. مرح فقدت أطرافها وعائلتها - موقع 24مرح ماهر، واحدة من جيل الأطفال مبتوري الأطراف في غزة، تتعلم المشي مجدداً، وكل خطوة تقودها نحو مستقبل يصعب تصوره.

التطهير العرقي

وقالت الافتتاحية إن ما كان يُعد قبل سنوات من المحرمات السياسية أو التصورات المستحيلة، أصبح اليوم يُطرح كسياسة رسمية، فالخطة المعلَنة للتهجير، بحسب ما نُقل عن كاتس، ليست "محتملة" بل "حتماً ستُنفّذ".

وهذا – وفق الغارديان – يُخرج المسألة من نطاق التحليل السياسي إلى دائرة القانون الدولي، لأن فرض خيارات مثل الجوع أو الاحتجاز كبديل للرحيل يُعدّ تطهيراً عرقياً تحت غطاء الشرعية.

مراكز توزيع "إنسانية" تتحوّل إلى مصائد موت

وأشارت الافتتاحية إلى ممارسات إسرائيل في مراكز توزيع المساعدات، حيث جرى – حسب شهادات صحافيين وجنود – استدراج المدنيين الجائعين إلى كمائن أُطلق فيها الرصاص عليهم دون مبرر.

وقالت الافتتاحية إن ما يُسمّى "مؤسسة غزة الإنسانية" التي تشرف على توزيع المساعدات ليست سوى ستار لتكريس الإذلال الجماعي والسيطرة على السكان. وتُعد هذه الحوادث، بحسب الغارديان، جرائم حرب واضحة، لا سيما أن القتلى في معظمهم من النساء والأطفال والعاملين في القطاع الطبي.

الإبادة الجماعية

بينما تنفي إسرائيل الاتهامات وتصفها بـ"الافتراءات الدموية"، ترى الصحيفة أن العالم بات أقل ميلاً لتصديق هذا النفي.

فالدعوى التي رفعتها جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية بتهمة الإبادة الجماعية لم تَعد تُقابل بالاستهجان كما في السابق، بل تجد قبولاً متزايداً، حتى وإن كانت المعايير القانونية لتوصيف الإبادة لا تزال صارمة.

وقالت "الغارديان" بأن تدمير مقوّمات الحياة، والتخطيط لاقتلاع السكان، والتصريحات العلنية عن "محو غزة"، تمثّل كلها مؤشرات على نية الإبادة كما حددتها اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1948.

التواطؤ الغربي

لا تتردد الصحيفة في توجيه أصابع الاتهام إلى بعض الدول الغربية، وعلى رأسها المملكة المتحدة، باعتبارها "شريكة بالصمت". 

فالخطابات الإسرائيلية، وفق الافتتاحية، لا تهدف فقط إلى تبرير السياسات أمام العالم، بل إلى إعفاء المتواطئين من مسؤولياتهم الأخلاقية والقانونية.

انخفاض عدد سكان قطاع غزة 10% - موقع 24قال الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء اليوم الخميس، إن عدد الفلسطينيين حتى منتصف العام الحالي تجاوز 15 مليون نسمة.

وفي هذا السياق، تدعو "غارديان" الاتحاد الأوروبي إلى تحويل المراجعة الجارية لاتفاقية التجارة مع إسرائيل إلى خطوات عملية، تُترجم إلى ضغوط ملموسة.

جائزة نوبل لا تُمنح على أنقاض المدن

واختتمت الصحيفة افتتاحيتها برسالة موجهة إلى الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، مفادها: إذا كان السلام هو ما يسعى إليه، فعليه أن يضغط من أجل اتفاق عادل ودائم، لا أن يبارك الوهم الذي يُشيّد على أنقاض غزة المحاصَرة. فالسلام الحقيقي لا يُبنى على الأطلال، ولا يُقاس بعدد الأبراج الشاهقة "الريفيرا" التي ستُبنى لاحقاً، بل على حياة الناس وكرامتهم وحقهم في البقاء.