يواجه سكان قطاع غزة يومياً معضلة قاتلة: المجازفة بحياتهم للوصول إلى أحد مراكز توزيع المساعدات الإنسانية القليلة العاملة في القطاع، أو محاولة البقاء دون طعام ليوم آخر، وربما أكثر.
وذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، أنه بالنسبة لأسرة محمود الطريفي، تحولت هذه المعادلة المأساوية إلى مأساة شخصية. فابنه الشاب أسامة (22 عاماً)، خرج في 24 يونيو (حزيران) الماضي متجهاً إلى مركز تابع لمؤسسة غزة الإنسانية قرب ممر "نيتساريم"، وهي منطقة عسكرية إسرائيلية تفصل القطاع.
وأوضحت الصحيفة، أن الهدف كان بسيطاً: الحصول على كميات من الأرز أو الحبوب الجافة لسد جوع العائلة، التي لم تتناول وجبة مشبعة منذ أسابيع. إلا أن أسامة لم يعد.
وقال الطريفي إن ابنه أسامة أُصيب برصاصة في صدره، عندما فتحت القوات الإسرائيلية النار على الحشود، وتوفي قبل وصوله إلى المستشفى.
وأوضح الجيش الإسرائيلي أنه يراجع تقارير عن سقوط ضحايا مدنيين في ذلك اليوم.

مصيدة موت
وكشف الصحيفة، أن كثير من الشباب، مثل أسامة، يخاطرون بحياتهم وسط حشود مذعورة وتهديدات دائمة، ليس فقط من الجنود بل من عصابات مسلحة تسرق المساعدات، وتعتدي على المستفيدين منها.
ولفتت إلى أن الطريفي وعائلته الموسعة، يعيشون في غرفة واحدة وسط غزة، وكانوا يحصلون سابقاً على الطعام من وكالات أممية قريبة، مثل الحمص والزيت والعدس. أما الآن، فالمركز الأقرب يبعد أكثر من ميل، ويتطلب عبور منطقة عسكرية مغلقة في معظم الأوقات.
وقال الطريفي: "بعد ما حدث لابني، لم يعد أحد من العائلة يذهب لجمع المساعدات. لقد أصبحت مصيدة موت للشباب".

وفي رفح جنوب القطاع، قال الشاب ساهر الصباغ (22 عاماً) إنه اعتاد الذهاب لمؤسسة غزة الإنسانية مع إخوته. وأضاف "في كل مرة، نرى الجرحى ينزفون وسط الحشود دون أن يلتفت إليهم أحد".
ورغم ذلك، اضطر للعودة بعد نفاد الطعام، مخاطراً بحياته للحصول على بعض الطحين والبقوليات.
وقالت والدته إرفات أبو الخير، المقيمة في ألمانيا: "حالتي النفسية صفر. أعيش في ضغط نفسي مستمر. جزء مني غارق في الموت والجوع. لذلك أفضل أن يبقى أطفالي على قيد الحياة ولو للحظة أمل أخيرة، حتى لو لم يجدوا كسرة خبز واحدة".
وأوشكت الأسرة اليوم على نفاد آخر ما تبقى من الطحين، وبشأن ذلك أوضح صباغ "إذا نفد، فسنعود إلى شبح المجاعة".

نقاط توزيع محدودة
وكانت إسرائيل قد قلصت نقاط التوزيع التابعة للمنظمات الإنسانية إلى 4 فقط تديرها مؤسسة غزة الإنسانية، في إطار إجراءات تهدف إلى منع وصول المساعدات إلى حركة حماس، بحسب الرواية الإسرائيلية.
وأكدت تل أبيب أن النظام الجديد بديل عن وكالة "الأونروا"، التي تتهمها بأنها "مرتبطة بحماس"، وهو ما تنفيه الأخيرة وتؤكد أنها عاقبت الموظفين المتورطين.
الأمم المتحدة: 800 قتيل في غزة أثناء انتظار المساعدات - موقع 24قُتل نحو 800 شخص في غزة أثناء انتظار المساعدات منذ 27 مايو (أيار) الماضي، غالبيتهم قرب مراكز تديرها مؤسسة غزة الإنسانية المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل، حسبما أعلنت الأمم المتحدة، اليوم الجمعة.
ولكن جماعات حقوقية وأكثر من 20 دولة والأمم المتحدة، أعربت عن قلقها من الخطة الجديدة، مشيرة إلى أنها "تعرّض المدنيين للخطر"، كما رفضت منظمات إغاثية التعاون معها.
يذكر أنه منذ بدء توزيع المساعدات عبر مؤسسة غزة الإنسانية في أواخر مايو (أيار) الماضي، قُتل مئات الفلسطينيين وأُصيب الآلاف أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية.

وأقرت القوات الإسرائيلية، بأن بعض ممارساتها ساهمت في تفاقم الوضع، وأشارت إلى أنها أطلقت النار على أشخاص "ابتعدوا عن المسارات المحددة أو اقتربوا من الجنود"، حسب تعبيرها.
وقالت الحكومة الإسرائيلية إنها تسعى لتحسين الأوضاع، عبر تركيب أسوار ولافتات إرشادية، فيما أكد متحدث باسم مؤسسة غزة الإنسانية أنها "تبذل كل ما في وسعها لتقديم الغذاء بشكل سريع وآمن"، داعية الجيش الإسرائيلي إلى تعزيز حماية المدنيين.