تسير الصين بخطى متسارعة نحو تعزيز قدراتها في حرب الفضاء، وذلك بتطوير تقنيات ليزر متقدمة تعتمد على تكنولوجيا بلورية فائقة التطور قادرة على تعطيل عمل الأقمار الصناعية.

وفي إنجاز غير مسبوق، نجح فريق بحثي صيني بقيادة البروفيسور "وو هاي شين" في تصنيع أكبر بلورة في العالم من مادة سيلينيد الغاليوم والباريوم، التي يُرمز لها اختصاراً بـ BGSe، بحسب تقرير لموقع "آسيا تايمز". 

ووفق التقرير، تمتاز هذه المادة بقدرتها الفريدة على تحويل الأشعة تحت الحمراء قصيرة الموجة إلى أطوال موجية طويلة المدى، إلى جانب قدرتها على تحمّل كثافات طاقة عالية، تتجاوز بكثير المتعارف عليه في المعايير العسكرية التقليدية.

اختراق علمي وتطبيقات عسكرية

ويعد هذا الإنجاز نقلة نوعية في مجال التكنولوجيا الدفاعية، إذ يساعد على تجاوز أحد أبرز التحديات التي واجهت أسلحة الليزر لسنوات، والمتمثل في تلف المكونات الداخلية نتيجة التعرض لكثافات طاقة عالية. 

ويُسلّط هذا التطور الضوء على الرؤية الإستراتيجية الصينية الساعية إلى تطوير قدرات هجومية فضائية غير قاتلة، في ظل تصاعد المخاوف في بكين من الاستخدامات العسكرية المحتملة لشبكات الاتصالات التجارية، وعلى رأسها شبكة "ستارلينك" التابعة لشركة "سبيس إكس" التي توفر خدمات إنترنت فضائي عالي السرعة.

ورغم الطابع العسكري الواضح لهذا الابتكار، تتيح البلورة الجديدة آفاقاً واسعة لتطبيقات مدنية وعلمية متعددة، تشمل أنظمة الاستشعار عالية الدقة وتقنيات تعقّب الصواريخ وحتى أدوات التصوير الطبي المتقدّم. والمثير للاهتمام أن هذه المادة أُدرجت منذ عام 2020 ضمن أولويات برامج البحث والتطوير الدفاعي في الصين، في دلالةٍ واضحة على تنامي الطموحات الصينية في ميدان أسلحة الطاقة المُوجَّهَة.

تقويض الهينة الفضائية الأمريكية

ويأتي هذا التطوّر في إطار إستراتيجية عسكرية أوسع تنتهجها بكين غايتها تقويض الهيمنة الفضائية الأمريكية، من خلال تبنّي وسائل تصعيدية يمكن إنكارها وتطبيقها تدريجياً. وتشمل هذه الوسائل إنشاء منظومات ليزر أرضية في مواقع نائية وسرّية، مثل "كورلا" و"بوهُو" في إقليم شينغ يانغ، حيث يُعتقَد أن هذه المواقع مُجهّزة بأنظمة قادرة على استهداف الأقمار الصناعية أثناء مرورها في مداراتها.

وتفيد التقديرات الاستخباراتية الأمريكية بأن هذه الأنظمة صُمّمت لتعطيل القدرات الفضائية الأمريكية في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع. 

توسيع نطاق التهديدات

وتشير الدراسات الصينية إلى نيّات واضحة لتوسيع نطاق هذه التهديدات لتطال المدارات المتوسطة والمدارات الجغرافية الثابتة، مما يضع أقمار تحديد المواقع العالمية (GPS) وأقمار الإنذار المبكر من الهجمات النووية (SBIRS) ضمن قائمة الأهداف المحتملة.

ورغم أن الصين تميل حتى الآن إلى استهداف منظومات مثل نظام تحديد المواقع العالمي بوسائل إلكترونية غير مدمِّرة، كالتشويش أو الهجمات السيبرانية، فإنها تدرك تماماً أن المساس بأنظمة بالغة الحساسية مثل نظام الإنذار المبكر من الهجمات النووية قد يُفسَّر على أنه تصعيد نووي مباشِر. 

وفي المقابل، فالطابع المُبعثَر والتوزيع الواسع لكوكبات الأقمار الصناعية يُعقّد مهمة تدميرها، إذ يتطلب الأمر عمليات مُنسَّقَة وشاملة لإحداث تأثير يعادل ضرب منظومة مركزية واحدة.

ولمواجهة هذا التحدي، يوصي محللون عسكريون صينيون باتباع نهج متعدّد الوسائل يشمل الحرب الإلكترونية والهجمات السيبرانية واستخدام أسلحة الطاقة المُوجَّهَة. ويعكس هذا التوجّه تبنّياً صريحاً لعقيدتي "مواجهة الأنظمة" و"تدمير الأنظمة" في الفكر العسكري الصيني الحديث، إذ يُنْظَر إلى الفضاء بوصفه ساحةً محورية يمكن من خلالها شلّ العمود الفقري القيادي والتقني للخصم، وذلك باستهداف البنية التحتية الحرجة لمنظومات C4ISR (القيادة والسيطرة والاتصالات والحوسبة والاستخبارات والاستطلاع والمراقبة).

ومع تصاعد وتيرة التقدّم الصيني، يعبّر مراقبون عن قلقهم إزاء هشاشة الردع الأمريكي، مشيرين إلى أن الإستراتيجية المعتمدة على "المرونة" دون أدوات عقابية حاسمة لا تكفي لصدّ الخصوم. فالغموض الذي يكتنف الرسائل الأمريكية، وتردد واشنطن في اتخاذ خطوات تصعيدية حازمة، قد يمنح بكين شعوراً بتفوق تكتيكي يدفعها إلى المبادرة وفرض وقائع جديدة.

الفضاء ساحة هجومية

في تقرير حديث صادر عن معهد الصين لدراسات الفضاء (CASI)، يشير الباحثون إلى أن الفضاء ساحة هجومية أكثر من كونه ميداناً دفاعياً، ما يُضعِف فعالية أي إستراتيجية ردع ترتكز على التهديد بعقابٍ مؤجَّل أو غير حاسم. 

ويخلُص التقرير إلى أن الولايات المتحدة لم تَعُد تملك سوى عاملين رئيسين يصبّان في صالحها ضمن هذه المعادلة: تفوّقها العسكري الشامل، واعتماد الصين المتزايد على البنية التحتية الفضائية، في حين أن بقية المؤشرات باتت تُرجِّح كفة بكين.

رسم موازين القوى في الفضاء 

وأخيراً، لا يُعدُّ نجاح الصين في ابتكار بلورات BGSe إنجازاً تقنياً منفصلاً، بل يشكّل ركيزة أساسية ضمن إستراتيجية شاملة تسعى إلى إعادة رسم موازين القوى في الفضاء. 

وفي حال لم تبادر الولايات المتحدة إلى مراجعة أدوات الردع التي تعتمدها وتحديثها بفعالية، فقد يواجه تفوّقها التقليدي في هذا المجال خطر التداعي المتسارع، بكل ما ينطوي عليه ذلك من تداعيات إستراتيجية جسيمة.