بينما اعتلى أحمد الشرع منصة الأمم المتحدة في نيويورك، كأول زعيم سوري يخاطب الجمعية العامة منذ عام 1967، بدا وكأنه يفتح صفحة جديدة في تاريخ سوريا، ووعد بـ"سوريا جديدة، مزدهرة ومنفتحة على العالم".
لكن خلف هذه الوعود، يقول الكاتب السوري تام حسين، في مقاله بموقع "أنهيرد" البريطاني، إن الوقائع على الأرض مختلفة، حيث تعيش سوريا حالة من الاضطراب الطائفي، حيث تشعر الأقليات الدينية بأنها مهددة، في ظل صعود هيمنة "الأغلبية السنية".
احتجاجات السويداء.. صرخة الأقلية الدرزية
أوضح الكاتب أن الأحداث الأخيرة في مدينة السويداء جنوب البلاد كشفت عن عمق الأزمة الداخلية. فالمدينة ذات الغالبية الدرزية شهدت احتجاجات غير مسبوقة، رفع خلالها المتظاهرون الأعلام الإسرائيلية، وطالبوا لأول مرة بـ"حق تقرير المصير".
وأضاف الكاتب أن هذه الاحتجاجات لم تقتصر على الهتافات، بل أسفرت عن تشكيل ما يشبه "الحرس الوطني" المحلي، مستندين إلى خبرات الميليشيات التي نشأت خلال سنوات الحرب الطويلة.
وأشار الكاتب إلى أن المجتمع الدولي، باستثناء إسرائيل، لا يرغب في تفكك سوريا إلى كيانات طائفية، غير أن هذه التطورات تنذر بمخاطر "البلقنة" والتفكك الداخلي.
رسائل إلى واشنطن
أوضح الكاتب أن الشرع، ورغم جدول أعماله المزدحم في نيويورك، حرص على لقاء وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، وكذلك الجنرال ديفيد بترايوس، القائد السابق للقوات الأمريكية في العراق.
وقال الكاتب إن هذه اللقاءات تعكس رغبة واشنطن في دعم الاستقرار، ورهان البيت الأبيض على شخصية الشرع كخيار سياسي قادر على قيادة مرحلة انتقالية.
أكد الكاتب أن الفهم الرومانسي للثورة السورية بوصفها "انتفاضة شعب ضد طاغية" يغفل بعداً أساسياً: البعد الطائفي. فالانتفاضة مثلت في نظر كثيرين صراع الأغلبية السنية ضد حكم الأقلية العلوية، التي ينتمي إليها آل الأسد.
وأضاف الكاتب أن "سقوط دمشق وصعود الشرع ليسا مجرد انتصاراً سياسياً، بل تتويجاً لمسار طويل من تمكين الطائفة السنية على حساب بقية المكونات".
صورة مصغرة عن المجتمع السوري
روى الكاتب تجربته الشخصية في تدريس اللغة الإنجليزية في المدارس السورية 2009، حيث عكست قاعة الصف التركيبة الطائفية للبلاد: 70% من الطلاب كانوا من السنة (بينهم الأكراد)، 10% من المسيحيين، 13% من العلويين، و3% من الدروز.
وأوضح الكاتب أن جميع الطلاب، رغم خلفياتهم الدينية المختلفة، كانوا يبدون ولاءً ظاهرياً لبشار الأسد، الذي جسد حكم البعث تحت شعار "العروبة الاشتراكية العلمانية"، فيما كان الواقع مختلفاً، إذ ظل الانتماء الطائفي محدداً أساسياً في المواقف والهوية.
وخلص إلى أن الاضطرابات الحالية ليست مجرد "فوضى عابرة"، بل تمثل "مخاض ولادة" لنظام جديد يميل إلى تكريس الهوية السنية للدولة، في ظل تراجع دور الأقليات، وشعورها المتزايد بالتهديد.
وأوضح الكاتب أن هذا المسار، إذا استمر، سيقود سوريا إلى نظام يقوم على الغلبة الديموغرافية، لا على التعددية التي كثيراً ما يتغنى بها المحللون الأجانب.
سوريا بين الانفتاح المعلن والواقع المنغلق
بين خطاب الشرع في نيويورك الذي يبشر بـ"سوريا جديدة"، والواقع الطائفي المشتعل على الأرض، تبدو البلاد عالقة بين صورتين متناقضتين: صورة دولة تسعى إلى الانفتاح والاعتراف الدولي، وأخرى يتهددها التفكك الطائفي.
ويبقى السؤال الذي يطرحه الكاتب: هل يستطيع الشرع تحويل وعوده إلى واقع جامع، أم أن سوريا ستظل أسيرة هويتها الطائفية المتصارعة؟.