تمر اليوم 22 أكتوبر (تشرين الأول) ذكرى وفاة الرسام الفرنسي بول سيزان عام 1906 والذي يعتبر من أعظم رواد الفن الحديث، وقد أحدثت أعماله تحولاً حاسماً في تاريخ الفن الأوروبي، وكان لها تأثير عميق في أجيال الفنانين، مثل بيكاسو وماتيس.
سيزان من مواليد عام 1839، بمدينة إيكس أون بروفانس بجنوب فرنسا، نشأ في أسرة دخلها المادي جيد، وكان والده مصرفياً ناجحاً، وفر له حياة كريمة، وسمح له بمواصلة شغفه الفني، دون ضغوط اقتصادية.
ظهرت موهبته بالرسم منذ صغره، وأبدى ميولاً واضحة للرسم والألوان، وكان دائم التأمل في الطبيعة المحيطة به، في جبال "سانت فيكتوار" وفي الريف الفرنسي الذي صار محور لوحاته. تعلم سيزان في مدرسة بوربون، وكوّن صداقة قوية مع الكاتب الفرنسي إميل زولا، الذي عمل على تشجيعه وتحفيزه للانتقال إلى باريس لتحقيق حلمه الفني.

وفي عام 1861 سافر إلى باريس والتحق بـأكاديمية "سويس للفنون" لكنه تفاجأ لحد الصدمة من الأجواء الأكاديمية المحافظة، والتي لم تتقبل أسلوبه المختلف، مما جعله يترك الأكاديمية، ويختار مواصلة طريقه خارج حدودها، متأثراً في البداية بالفنانين الانطباعيين، ولكنه تجاوزهم وطوَّر أسلوباً شخصياً فريداً.
انتمى سيزان بداية للمدرسة الانطباعية، وشارك في عدد من معارضها، لكنه لم يكن راضياً عن الاكتفاء بتسجيل الضوء واللحظة العابرة كما يفعل الانطباعيون، واهتم في بناء لوحته بناءً قوياً مختلفاً، يعتمد على التكوين والكتلة واللون، لا على الانطباع البصري فقط.
وقد لخّص فلسفته الفنية بعبارته الشهيرة "أريد أن أجعل من الانطباعية شيئاً صلباً ودائماً مثل فن المتاحف"، ومع مرور السنوات، طوّر سيزان أسلوبه القائم على التحليل البنائي للأشكال باستخدام تدرجات لونية هندسية تقريبية، ليصبح بذلك الممهد الأول للحركة التكعيبية.

وأصبحت لوحاته مثل "لاعبو الورق"، و"جبل سانت فيكتوار"، و"الطبيعة الصامتة بالتفاح" رموزاً لمرحلة التحول في الفن الحديث، ولا شك أن تأثيره في الحركة الفنية العالمية كان عالمياً وعميقاً، فقد اعتبره بابلو بيكاسو وجورج براك الأب الروحي للتكعيبية، ونظر إليه هنري ماتيس كمعلم للطريقة الجديدة في النظر إلى اللون والشكل، وبذلك مهد سيزان بأسلوبه لتحرير اللوحة من الواقعية البحتة، وجعلها بناءً فكرياً وجمالياً في آن واحد.
ويدرك تماماً المهتمون والمختصون بحركة الفنون التشكيلية، إن كل الاتجاهات الفنية الحديثة في القرن العشرين، من التكعيبية إلى التجريدية، مدينة له بطريقة أو بأخرى.

ومن أهم العوامل التي شكلت شخصيته الفنية، عشقه الدائم للطبيعة والريف الجنوبي الفرنسي، فقد شكل ذلك مصدر إلهامه بالنسبة له، وكان لجبال بروفانس وألوانها أثر كبير في تكوين عالمه البصري المفضل، بالإصافة، لثقافته الأدبية والفكرية، فقد تأثر بقراءات فلسفية وأدبية، خصوصاً بصداقته مع إميل زولا التي غذّت حسه التأملي.
وحقيقة أن استقلال سيزان المادي، جعله بغنى عن قيود التجار والاتجاهات السائدة في باريس، فظل يملك حريته الفنية، التي جعلته مبدعاً حراً متميزاً، ومختلفاً عن السائد، وقد عاش بعيداً عن الأضواء، يرسم في عزلة، مما منحه عمقاً في التجريب والرؤية.
توفي سيزان بعد إصابته في التهاب رئوي حاد أثناء الرسم في الهواء الطلق، رحل وقد تعرّض طويلاً للتجاهل، لكن بعد وفاته بقليل أدرك العالم قيمته الحقيقية، فصار أحد أعمدة الفن الحديث الذي غيّر نظرة البشرية إلى اللون والشكل والمنظور.