أثار إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المفاجئ، أمس الخميس، عن توجيهه أوامر للجيش الأمريكي باستئناف التجارب النووية، مخاوف واسعة من عودة العالم إلى أكثر مراحل الحرب الباردة ظلمة، حين كانت الولايات المتحدة وروسيا والصين تفجّر أسلحة نووية جديدة بانتظام، بدايةً في الغلاف الجوي والفضاء الخارجي، ثم تحت الأرض، وفق تقرير في صحيفة "نيويورك تايمز".

وتقول الصحيفة إن "تلك كانت مرحلةً مليئة بالتهديدات والتهديدات المضادة، ورؤى نهاية العالم، ونظريات الردع عبر التدمير المتبادل المؤكد". وقد بدا أن تلك الحقبة انتهت مع ظهور معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية التي أُبرمت في منتصف التسعينيات. غير أن عدداً غير كافٍ من الدول الموقعة صادق عليها، ما حال دون دخولها حيّز التنفيذ الرسمي.

جدل الحرب الباردة

وكان الهدف من المعاهدة هو تجفيف سباق التسلح النووي، من خلال وقف التجارب الجديدة وكسر دائرة الردع والردود الانتقامية التي كانت تولّدها.

ولكن ترامب أعاد اليوم هذا الجدل إلى قلب المؤسسة الأمنية الأمريكية، حول ما إذا كان ينبغي كسر التقليد غير الرسمي المتمثل في احترام تلك المعاهدة، وهو تقليد يرى بعض مساعديه السابقين أنه يقيّد قدرة البلاد على إظهار "السلام عبر القوة".

وقال ترامب للصحافيين، على متن طائرته الرئاسية "إير فورس وان"، أثناء عودته من كوريا، إنه اتخذ القرار لأن "دولاً أخرى" تجري تجارب نووية. وأضاف: "لقد أوقفناها منذ سنوات.. سنوات كثيرة لكن مع قيام الآخرين بالتجارب، أعتقد أنه من المناسب أن نقوم نحن أيضاً بذلك".

غير أن الحقيقة مغايرة لذلك تماماً. فالدولة الوحيدة التي أجرت تجارب نووية فعلية خلال ربع القرن الماضي هي كوريا الشمالية، وكانت آخر تجربة تفجيرية لها في سبتمبر (أيلول) 2017.

وأما روسيا، فلم تُجرِ أي اختبار نووي منذ 35 عاماً، أي منذ الأيام الأخيرة للاتحاد السوفياتي. ويبدو أن ترامب خلط بين اختبارات الأسلحة النووية وعمليات الاختبار الروسية الأخيرة لوسيلتين جديدتين لإيصال الرؤوس النووية: صاروخ كروز يعمل بالطاقة النووية، وطوربيد بحري يُعرف باسم "بوسيدون" قادر على عبور المحيط الهادئ، وضرب الساحل الغربي للولايات المتحدة.

تجارب نووية

وصُمِّم هذان السلاحان لتجاوز أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية، التي ترصد الرؤوس الحربية للصواريخ الباليستية العابرة للقارات أثناء عبورها الفضاء.

وأكد ترامب أنه لا يقصد الصين ضمن قائمة الدول التي "تجري تجارب نووية"، إذ كانت آخر تجربة تفجيرية للصين قبل 29 عاماً. لكن توجد مؤشرات على أن بكين قامت بتحضيرات في موقع "لوب نور"، حيث أجرت أولى تجاربها النووية في ستينيات القرن الماضي، تحسّباً لاحتمال استئنافها في المستقبل.

وخلال جلسة المصادقة على تعيينه في أبريل (نيسان) الماضي، سُئل المسؤول الأمريكي المكلّف بملف التجارب النووية براندون ويليامز، وهو عضو كونغرس سابق من ولاية نيويورك، عما إذا كانت الولايات المتحدة بحاجة إلى العودة للتجارب التفجيرية، فأجاب: "لن أنصح بالعودة إلى الاختبارات، وأعتقد أننا يجب أن نعتمد على المعلومات العلمية"، وأشار إلى أن القرار النهائي "يتجاوز صلاحياتي".

ولكن ما حدث بعد ذلك، أوضح أن القرار قد اتُّخذ فعلاً "في مستويات أعلى". ففي الساعة التي سبقت لقاء ترامب بالرئيس الصيني شي جين بينغ في كوريا الجنوبية، أمس الخميس، نشر ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي إعلاناً قال فيه إنه أمر "وزارة الحرب" وهو الاسم الذي يستخدمه للإشارة إلى وزارة الدفاع باستئناف التجارب "فوراً".

ارتباك في الأمن القومي

وأثار تصريحه بأن الاختبارات ستُجرى "على أساس المساواة" مع المنافسين الأمريكيين، ارتباكاً واسعاً بين مسؤولي الأمن القومي، خاصةً أن الجهة المسؤولة عن التجارب ليست وزارة الدفاع بل وزارة الطاقة.

ولم يقدم ترامب أي مبرر واضح لاستئناف التجارب، سوى ادعائه الخاطئ بأن دولاً أخرى تفعل الشيء نفسه. كما تفاخر بالقول إن "الولايات المتحدة تمتلك أسلحة نووية أكثر من أي دولة أخرى"، وهو أمر غير صحيح، إذ تمتلك روسيا عدداً أكبر من الرؤوس النووية، وإن كانت كثير منها أسلحة صغيرة مخصصة لساحات القتال، من النوع الذي خشي مسؤولون أمريكيون عام 2022 أن تُستخدم ضد أوكرانيا.

أوكرانيا: استخدام روسيا لصاروخ محظور دفع ترامب للانسحاب من المعاهدة النووية - موقع 24قال وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيها، إن روسيا هاجمت بلاده في الشهور القليلة الماضية بصاروخ محظور، والذي دفع تطويره سراً الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الانسحاب من معاهدة مع موسكو، للحد من الأسلحة النووية خلال ولايته الرئاسية الأولى.

وأضاف ترامب أن الصين "بعيدة جداً في المرتبة الثالثة"، وهو صحيح من حيث العدد، لكنه تجاهل حقيقة أن ترسانة الصين تنمو بسرعة، إذ قدّرت وزارة الدفاع الأمريكية في عهد بايدن، أن الصين ستملك 1000 رأس نووي منتشرة بحلول عام 2030، وستصل إلى مستوى تقارب فيه الولايات المتحدة وروسيا عام 2035.

وقال نائب الرئيس جاي دي فانس للصحافيين، أمس الخميس، إن "اختبار الترسانة النووية أمر ضروري للتأكد من أنها تعمل بشكل صحيح"، وأضاف: "بالتأكيد نحن نعلم أنها تعمل كما ينبغي، لكن علينا مراقبتها مع مرور الوقت، والرئيس يريد فقط أن يضمن ذلك".

ويرى كثير من الخبراء، أن استئناف الولايات المتحدة للتجارب النووية سيمنح عملياً الضوء الأخضر لدول أخرى لتفعل الشيء نفسه، وذلك قبل نحو 100 يوم فقط من انتهاء آخر معاهدة للحد من التسلح بين الولايات المتحدة وروسيا، التي تحدد حجم ترساناتهما.

تفجيرات نووية

ويقول خبراء نوويون، إن روسيا والصين مستعدتان لإجراء تفجيرات نووية في مواقع اختباراتهما تحت الأرض بسرعة نسبية، بخلاف الولايات المتحدة التي لم تُجرِ استعدادات جدية منذ سنوات. فموقع الاختبارات الأمريكي هو مساحة شاسعة من صحراء نيفادا تفوق مساحة ولاية رود آيلاند.

وخلال الولاية الأولى لترامب، أعاد البيت الأبيض طرح فكرة استئناف التجارب الأمريكية. وطالب مسؤولون بتقليص الوقت المطلوب للتحضير لأي تجربة نووية جديدة من عدة سنوات إلى 6 أشهر فقط. لكن خبراء الأسلحة رأوا ذلك غير واقعي، نظراً لأن الكثير من المعدات في موقع نيفادا إما تآكل أو فُقد.

ومع ذلك، دعا مشروع 2025، وهو الخطة اليمينية التي وُضعت عام 2023 لفترة رئاسة ترامب الثانية، إلى تسريع وتيرة التحضيرات، مطالباً واشنطن بالتخلي عن فترة الإعداد الطويلة والانتقال إلى "الجاهزية الفورية للاختبار"، لمنح الرئيس "أقصى قدر من المرونة في مواجهة تصرفات الخصوم".

ويحذر منتقدو القرار من أن العودة إلى التجارب ستشعل سباق تسلح عالمي جديد. ويشير مديرو المختبرات الوطنية المسؤولة عن الترسانة النووية الأمريكية إلى أنهم أكدوا مراراً أمام الكونغرس، أن البلاد لا تحتاج إلى العودة إلى التفجيرات النووية.

وبدلاً من ذلك، تعتمد الولايات المتحدة اليوم على خبراء وتقنيات متقدمة في مختبراتها لضمان فاعلية ترسانتها، وتشمل هذه التقنيات حواسيب فائقة بحجم الغرف، وأقوى جهاز أشعة سينية في العالم، ونظاماً من الليزر بحجم ملعب رياضي — وهي قدرات لا تملكها أي دولة أخرى.