أكد الباحث والمحلل الأمريكي ألكسندر لانغلوا، أن ما يُسمّى بـ"وقف إطلاق النار" في غزة لم يعد موجوداً فعلياً، بعدما استأنفت إسرائيل عملياتها العسكرية الكاملة ضد حركة حماس في 28 أكتوبر (تشرين الأول)، في خطوة عدّها الكاتب "نسفاً تاماً لأي معنى حقيقي للهدنة التي رعتها إدارة الرئيس دونالد ترامب".

وقال لانغلوا، الزميل المشارك في مؤسسة "ديفنس برايورتيز" للبحوث الأمريكية، في مقاله "لا وقف لإطلاق النار في غزة" في موقع "ناشونال إنترست"، إن أي اتفاق يسمح لطرف بانتهاك شروطه متى شاء لا يمكن اعتباره اتفاقاً حقيقياً، مضيفاً أن "غياب الضغط الأمريكي الجاد على إسرائيل سيجعل هذا الوضع أكثر سوءاً".

وأوضح الكاتب الحاصل على ماجستير في الشؤون الدولية من الجامعة الأمريكية في واشنطن، والمتخصص في قضايا الحكم العالمي، والأمن والسياسة الخارجية، أن إسرائيل واصلت منذ بداية الهدنة في 10 أكتوبر(تشرين الأول) خرق بنودها الأساسية، بـ"منع المساعدات الإنسانية عن غزة، وقصف متكرر بذريعة هجمات غير مؤكدة من قبل حماس".  وأضاف أن هذه الضربات "أودت بحياة أكثر من 100 شخص، بينهم عشرات الأطفال، وأصابت مئات آخرين"، مشيراً إلى أن "رفض إسرائيل فتح معابر إضافية لإدخال الإغاثة جعل المدنيين الفلسطينيين في مواجهة المجاعة والعطش".

وتابع لانغلوا "صحيح أن على كل طرف احترام التزاماته، بما في ذلك حماس التي تسعى لإعادة تنظيم صفوفها، لكن الخلل في توازن القوى، ودور واشنطن المنحاز لإسرائيل، يجعلان من الصعب تحميل الطرفين المسؤولية على قدم المساواة". وأضاف أن القصف الإسرائيلي الأخير الذي أسفر عن مقتل 46 طفلاً يؤكد أن "الحديث عن وقف إطلاق النار بات وهماً سياسياً أكثر منه واقعاً ميدانياً".

هيمنة القوة 

وقال الكاتب إن الوضع الراهن "يكرّس النمط القديم من التساهل الدولي تجاه إسرائيل"، حيث يُسمح لها بـ "تجاوز الاتفاقات دون مساءلة". وأضاف أن اتفاق غزة يشبه "الهدنة الهشة بين إسرائيل وحزب الله في لبنان"، إذ تستمر إسرائيل ، بحسب قوله، "في قصف الأراضي اللبنانية واحتلال أجزاء منها تحت ذرائع أمنية". وأوضح لانغلوا أن هذا النمط "يعزز وجود الجماعات المسلحة مثل حزب الله وحماس، التي تبرر استمرار تسليحها ومقاومتها بالاحتلال الإسرائيلي نفسه"، مشيراً إلى أن "المدنيين في لبنان وسوريا وغزة يدفعون الثمن الأكبر بين مطرقة الاحتلال وسندان الميليشيات".

غزة: الكارثة تتفاقم

وأشار الكاتب إلى أن غزة "تعيش اليوم أسوأ أوضاع إنسانية في تاريخها الحديث"، موضحاً أن "معظم سكانها نازحون، وبنيتها التحتية مدمَّرة بالكامل، والمجاعة تهدد مئات الآلاف". وأضاف أن الاقتتال الداخلي بين حماس ومليشيات مدعومة من إسرائيل يزيد من معاناة السكان، فيما تواصل إسرائيل فرض سيطرتها على53%  من مساحة القطاع بموجب خطة ترامب ذات النقاط العشرين. وقال لانغلوا إن "واشنطن وتل أبيب تتحدثان علناً عن إعادة إعمار المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية فقط، في تكرارٍ لسياسات التقسيم والعزل التي تُحوّل ما تبقى من غزة إلى مناطق مغلقة شبيهة بالمناطق الإنسانية التي شبّهها كثيرون بمعسكرات اعتقال".

وعود بلا مضمون

وأوضح الكاتب أن خطة ترامب فقدت مضمونها العملي، لأن "كلاً من حماس وإسرائيل لا يثق بالآخر ولا يرغب فعلياً في تطبيق بنودها الغامضة"، مضيفاً أن الطرفين "يسعيان فقط إلى تحسين مواقعهما التفاوضية بينما تنزلق واشنطن مجدداً إلى نمطها التقليدي من الدعم غير المشروط لإسرائيل". وانتقد لانغلوا تصريحات وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، التي قال فيها إن "من حق إسرائيل ضرب أهداف في غزة ضمن تفاصيل الهدنة"، معتبراً أن ذلك "يتناقض مع المعنى الحقيقي لمفهوم وقف إطلاق النار". وأضاف أن وقفاً لإطلاق النار من طرف واحد ليس وقفاً للنار على الإطلاق، بل مجرد غطاء سياسي لاستمرار الحرب".

اختبار الإرادة السياسية

وقال الكاتب إن إدارة ترامب، التي بذلت رأس مال سياسي كبير في التوصل إلى هذه الهدنة، ستخسر مصداقيتها إذا سمحت لنتنياهو بتقويض ما سُمّي باتفاق السلام التاريخي. وأضاف "من المعروف عن ترامب أنه لا يحب الخسارة، فكيف يقبل بأن ينسف حليفه الإسرائيلي إنجازاً يُفترض أنه الأبرز في سياسته الخارجية؟" وأشار لانغلوا إلى أن واشنطن مارست في السابق ضغوطاً على تل أبيب، لكنها لا تزال تميل في النهاية إلى تبرير سلوكها العسكري، مؤكداً أن الولايات المتحدة لا يمكن أن تتنصل من مسؤوليتها المباشرة عن الكارثة الإنسانية في غزة طالما تواصل دعم إسرائيل بلا شروط.

وأكد الكاتب أن "وقف إطلاق النار الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا إذا مارست واشنطن ضغطاً دائماً على نتنياهو لاحترام بنود الاتفاق، وفرضت المحاسبة على جميع الأطراف".  وقال لانغلوا إن "أي تراجع عن هذا الدور سيحوّل خطة ترامب إلى ورق بلا قيمة، ويترك الفلسطينيين في غزة تحت نيران حرب مفتوحة تمضي نحو الإبادة الجماعية".وأضاف "الولايات المتحدة تمتلك القدرة على فرض السلام، لكنها تحتاج إلى الإرادة السياسية لفعل ذلك. ما لم تُستخدم هذه القدرة، فستفشل الهدنة، وسيفشل معها الدور الأميركي كضامن للسلام في الشرق الأوسط".