قال الكاتب الفلسطيني ناصر أبو سرور، الذي أُفرج عنه الشهر الماضي بعد أكثر من 32 عاماً في السجون الإسرائيلية، إن استخدام التعذيب ازداد بشكل كبير خلال العامين الأخيرين من سجنه، مع تعامل إسرائيل مع سجونها كـ"جبهة أخرى" في حرب غزة، وفقاً لصحيفة "غارديان" البريطانية.
وأبو سرور، صاحب مذكرات السجن التي تُرجمت إلى 7 لغات والمُرشحة لنيل جائزة أدبية دولية مرموقة هذا الشهر، كان من بين أكثر من 150 فلسطينياً محكومين بالمؤبد أفرج عنهم ضمن اتفاق الهدنة في غزة برعاية أمريكية، ثم نُفوا مباشرة إلى مصر حيث لا يزال معظمهم يعيش حالة من الانتظار.
ضرب وتجويع وحرمان
ويبلغ أبو سرور من العمر 56 عاماً، وقد تحدث عن تصاعد واضح في استخدام الضرب والتجويع والحرمان من الدفء بعد اندلاع حرب غزة في أكتوبر (تشرين الأول) 2023.
وقال: "تغيّرت زيّات حراس السجون، وصار على صدورهم شارات مكتوب عليها كلمة (مقاتلون) أو (محاربون)، وبدأوا يتصرفون وكأنهم في معركة، فصاروا يضربون ويعذبون ويقتلون كالمحاربين".
ووفقاً لتقرير لجنة تابعة للأمم المتحدة، فقد توفي 75 فلسطينياً في السجون الإسرائيلية بين 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، و31 أغسطس (آب) 2025، فيما نفت مصلحة السجون الإسرائيلية مراراً استخدام التعذيب.
ومن مكان إقامته المؤقت في مصر، تحدث أبو سرور للصحيفة عن الصدمة التي شعر بها حين انتقل مباشرة من قسوة الزنازين إلى فندق 5 نجوم في القاهرة، حيث استُضيف هو وزملاؤه على نفقة السلطات المصرية.
وكان أبو سرور شاباً خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى (1987-1993)، واتُهم بالتواطؤ في مقتل ضابط في جهاز "الشاباك" الإسرائيلي كان يحاول تجنيد ابن عمه كعميل.
مذكرات من الاعتقال
وبناءً على اعتراف انتُزع منه تحت التعذيب، حُكم عليه عام 1993 بالسجن المؤبد دون إمكانية الإفراج المشروط. وخلال عقود طويلة تخللتها فترات عزلة انفرادية طويلة، نال درجة البكالوريوس ثم الماجستير في العلوم السياسية، وبدأ كتابة الشعر والنصوص التي كانت تُهرّب من السجن.
ومذكراته التي تحمل عنوان "حكاية جدار: تأملات في الأمل والحرية"، أُمليت في معظمها عبر مكالمات هاتفية مع أحد أقاربه على مدار أكثر من عامين، وتُرجمت إلى 7 لغات، وهي مرشحة حالياً لجائزة الأدب العربي التي يمنحها سنوياً "معهد العالم العربي" في باريس.
ويقول أبو سرور إنه لم يصدق خبر الإفراج عنه في البداية: "جاءوا بعد اتفاق الهدنة في 10 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، ومعهم قائمة بأسماء المفرج عنهم، وكنت جالساً على سريري في الغرفة رقم 6 محاولاً تجاهلهم. مرّت سنوات طويلة كنت أظن في كل مرة أن اسمي سيكون بينهم، ثم لا يحدث شيء. كنت أقول لنفسي: هذا لا يعنيني. كان ذلك نوعاً من الدفاع النفسي".
وأضاف: "لكنهم نادوا على اسمي وقالوا: ناصر، استعد. عندها فقط شعرت أن رحمة الله وصلت إليّ. أصدقائي كانوا يحتضنونني ويقبّلونني وأنا غير مصدّق".

السجون جبهة جديدة
وأشار إلى أن معاملة السجناء الفلسطينيين تدهورت بشكل كبير بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وقال: "أي مكان لا توجد فيه كاميرات كان مكاناً للتعذيب. كانوا يربطون أيدينا خلف رؤوسنا، يرموننا على الأرض ثم يركلوننا بأقدامهم".
وتفاخر وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير، بأن السجون الإسرائيلية "لم تعد منتجعات". وقال أبو سرور إن النظام الجديد سحب كل أدوات القراءة والكتابة من المعتقلين: "انتهت الحياة الثقافية في السجن خلال العامين الأخيرين، ولم يبقَ سوى الحياة البيولوجية. كنا نحاول فقط البقاء. كنا دائماً جياعاً". وأوضح أنه فقد 12 كيلوغراماً من وزنه بسبب الجوع.
وأضاف أن السجناء كانوا يُمنحون طقماً واحداً من الملابس الرقيقة فقط، ما جعلهم يعانون من البرد طوال ليالي الشتاء. "أجسادنا كانت ضعيفة، لا تتحمل حتى درجة حرارة متوسطة. عندما يوشك أحد على مغادرة السجن، كان الجميع يحاول مصادقته ليحصل على قميصه أو ملابسه الداخلية أو أي شيء منه".
وقال أبو سرور إنهم قبل الإفراج عنهم بساعات قليلة، خضعوا لجولة أخيرة من الضرب الوحشي، ثم نُقلوا بالحافلات عبر إسرائيل بمحاذاة حدود غزة الجنوبية إلى معبر رفح. "لم يُسمح لنا بفتح الستائر طوال الرحلة التي استغرقت 48 ساعة. لم أرَ السماء إلا عندما دخلنا مصر".
لقاء مؤثر
وعند وصولهم إلى القاهرة، نُقلوا إلى فندق فاخر، في مشهد بدا له "سريالياً": "لم أكن في فندق من قبل. كنت أفعل كل شيء للمرة الأولى مثل طفل: أتعلم كيف أستخدم المصعد، ما هي خدمة الغرف، وكيف أتعامل مع الدش".
وتحدث عن لقاء مؤثر جمعه بإخوته بعد أكثر من 3 عقود من الفراق: "التقيت أربعاً من شقيقاتي وأخاً لي للمرة الأولى منذ 33 عاماً. كان ذلك صعباً ومؤلماً. قلت في نفسي: هل من اللائق أن أحتضنهم؟".
وأضاف أن النزلاء السابقين ظلوا تحت المراقبة من قبل الأمن المصري، بينما كانوا يتعلّمون من السياح كيف يتصرفون: "عندما رأينا البوفيه في الصباح، وضع بعض الشباب كيلوين من الطعام في طبقهم. كنا محرجين، لا نعرف كيف نستخدم السكين أو الشوكة. كانت مشاعري كلها متضاربة. كنت مرتبكاً، عاجزاً حتى عن وصف الأشياء من حولي".
وبعد فترة قصيرة، طُلب من المجموعة المفرج عنهم حزم أمتعتهم والانتقال إلى فندق آخر، على بعد ساعة من القاهرة.
وأكد أبو سرور أنه تلقى عروضاً من دول عدة لاستضافته، لكنه لم يقرر بعد إلى أين سيتجه، مشيراً إلى أنه يضع في اعتباره سهولة وصول عائلته إليه وقدرته على مواصلة الكتابة. وختم قائلاً: "لا أريد بلداً مريحاً. لا أريد بلداً بلا أسئلة، أو بلداً بلا قضية".