في خطوة عسكرية وُصفت بالناجحة ميدانياً، والمثيرة للجدل سياسياً، نفّذ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تدخلاً عسكرياً مباشراً في فنزويلا، أعاد إلى الواجهة أسئلة كبرى حول اتجاهات السياسة الخارجية الأمريكية في ولايته الثانية.

وفي قراءة تحليلية للتداعيات، يرى رئيس الوزراء ووزير الخارجية السويدي الأسبق كارل بيلدت أن على أوروبا استخلاص ثلاث نتائج أساسية من هذا الحدث، لا تبدو صادمة في ظاهرها، لكنها عميقة الأثر في مستقبل العلاقة عبر الأطلسي والنظام الدولي.

نصف الكرة الغربي

قال كارل بيلدت، يشغل حالياً منصب الرئيس المشارك لمجلس المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، إن الضربة الأمريكية في فنزويلا تؤكد أن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي باتت تعطي أولوية حقيقية لنصف الكرة الغربي، وهو تحول بنيوي سيطبع سياسات واشنطن خلال الولاية الثانية لترامب.

ترامب يلمح إلى استمرار الإشراف على فنزويلا فترة طويلة - موقع 24قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في ‍مقابلة نشرتها ⁠صحيفة "نيويورك تايمز"، اليوم الخميس، إن "الوقت وحده ​سيحدد" المدة التي ستبقي ​فيها الولايات المتحدة ​على إشرافها على فنزويلا.

وأضاف الكاتب أنه على مدى عقود، كانت تمحور الاهتمام الأمني الأمريكي، بدءاً من الاتحاد السوفييتي ثم روسيا، قبل أن تبدأ واشنطن، قبل نحو عقد، بالتحول نحو آسيا في ظل الصعود الصيني. أما اليوم، فيرى بيلدت أن أوروبا تتراجع سريعاً على سلّم الأولويات، مقابل عودة قوية للاهتمام الأمريكي المباشر بجواره الإقليمي.

وتابع الكاتب أن ما يُعرف بـ"مبدأ مونرو"، الذي كان يهدف تاريخياً إلى إبعاد القوى الأوروبية عن الأمريكيتين، عاد بصيغة جديدة، أطلق عليها ترامب مؤخراً اسم "مبدأ دونرو"، لكن بروح اقتصادية وتجارية تهدف إلى ترسيخ الهيمنة الأمريكية ومواجهة التغلغل الصيني المتسارع.

وأوضح الكاتب أن تصريحات ترامب عقب دخول القوات الأمريكية إلى فنزويلا واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ركزت على السيطرة على النفط أكثر من مكافحة تهريب المخدرات، ما يعكس بوضوح طبيعة الدوافع.

ما وراء اعتقال مادورو.. رسالة واشنطن لبكين وموسكو - موقع 24أوضح المؤرخ الإسرائيلي البروفيسور رانان راين، في حوار مع صحيفة "كلكلست" الإسرائيلية، أن "اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو" من قبل الولايات المتحدة هو جزء من خطوة لإعادة تعريف قواعد اللعبة الدولية، مشيراً إلى أن الهدف ليس ترسيخ الديمقراطية أو مكافحة المخدرات، بل هو خطوة ...

غرينلاند 

وأشار الكاتب إلى أن هذا التركيز المفرط على نصف الكرة الغربي قد يضع أوروبا في مواجهة مباشرة مع ترامب، لا سيما في ما يتعلق بغرينلاند. وأضاف أن الرئيس الأمريكي يروّج لوجود تهديدات روسية وصينية قرب الجزيرة، رغم غياب أي وقائع تدعم ذلك.

وأوضح بيلدت أن غرينلاند، رغم موقعها الجغرافي في نصف الكرة الغربي، هي جزء لا يتجزأ من الدنمارك، وسكانها مواطنون في الاتحاد الأوروبي، بل إن ارتباطها بأوروبا أقدم من ارتباط ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة.

وحذر الكاتب من أن أوروبا قد تجد نفسها مضطرة للاستعداد لمواجهة سياسية حادة مع واشنطن، في ظل رئيس مهووس بالجغرافيا، محدود الإلمام بالوقائع، ويتصرف بعقلية محارب بعد نجاحه في فنزويلا، على حد وصفه.

لماذا يريد ترامب غرينلاند رغم النفوذ الأمريكي عليها؟ - موقع 24قالت صحيفة "نيويورك تايمز" إن الجدل المتجدد حول سعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى شراء غرينلاند، أو حتى السيطرة عليها، يغفل حقيقة أساسية مفادها أن الولايات المتحدة تمتلك بالفعل هامشاً واسعاً من النفوذ العسكري في الجزيرة، وذلك بموجب اتفاق دفاعي يعود إلى حقبة الحرب الباردة.

سيادة الدول في مهب الريح

وأضاف الكاتب أن الخلاصة الثانية، وإن كانت غير مفاجئة، تتمثل في أن القانون الدولي لا يحتل مكانة تذكر في حسابات ترامب للسياسة الخارجية والأمنية. وأوضح أن الجدل الأمريكي انصب على مدى قانونية التدخل داخلياً ودستورياً، لا على شرعيته الدولية.

وأشار بيلدت إلى أن أوروبا، رغم سجلها غير المثالي، ما زالت ترى في القانون الدولي ركيزة أساسية لأي نظام عالمي تشعر فيه بالأمان. واستدرك بأن تدخل حلف "الناتو" في كوسوفو عام 1999 لم يكن قانونياً بالمعايير الصارمة، لكنه حظي آنذاك بشرعية سياسية ضمن إطار تحالفي وارتباط أممي أوسع.

وأكد الكاتب أن أوروبا، في المجمل، تعتبر التدخل العسكري في دولة ذات سيادة انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، بغضّ النظر عن طبيعة النظام الحاكم. وأضاف أن افتقار مادورو للشرعية الديمقراطية لا يسقط صفة السيادة عن فنزويلا، كما أن ادعاء واشنطن ممارسة الدفاع عن النفس لا يصمد أمام الفحص القانوني.

لماذا السلام إذا كانت القوة أسرع؟

وتابع الكاتب أن ترامب انتقل من تقديم نفسه رئيساً للسلام إلى الاعتماد المتزايد على القوة العسكرية لتحقيق أهدافه وتعزيز صورته. وأوضح أن كثيراً من أنصار حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً" كانوا يعارضون التدخلات الخارجية، لكن ترامب، وإن ظل متحفظاً تجاه الحروب البرية الواسعة، يبدو مرتاحاً لاستخدام القاذفات الشبحية والصواريخ المجنحة والقوات الخاصة.

وأضاف الكاتب أن منطق ترامب بات بسيطاً: صواريخ لمعالجة أزمة في نيجيريا، وقصف جوي بدل تفاوض مع إيران، وقوات خاصة في فنزويلا لمواجهة أزمة المخدرات. لكنه شدد على أن القوة قد تثير الحماسة، لكنها نادراً ما تحل المشكلات، إذ تظل الحاجة قائمة إلى حلول دبلوماسية طويلة الأمد في إيران، والساحل الأفريقي، وأمريكا اللاتينية.

فرنسا تضع خطة مع الحلفاء للدفاع عن غرينلاند - موقع 24قال وزير الشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم الأربعاء، إن بلاده ⁠تعمل مع شركائها على وضع خطة حول كيفية الرد، في ​حال نفذت الولايات المتحدة تهديدها بالاستيلاء على غرينلاند.

أوروبا أمام الواقع الأمريكي

خلص الكاتب إلى أن الخلاصات الثلاث ليست جديدة بالكامل، لكن ترامب يعمل على تسريع الاتجاهات القائمة إلى نسخ أكثر تطرفاً: اهتمام أقل بأوروبا، استخفاف أكبر بالقانون الدولي، واعتماد متزايد على القوة السريعة.

وأكد البدلوماسي السويدي بيلدت أن أوروبا باتت أمام واقع أمريكي أكثر خشونة وأقل قابلية للتنبؤ، ما يفرض عليها إعادة التفكير في كيفية الدفاع عن مصالحها وقيمها في نظام دولي يتغير بوتيرة متسارعة.