في ظل تزايد الحديث عن تراجع هيمنة الدولار الأمريكي على النظام المالي العالمي، يقول موقع "أكسيوس" إن الصين ترى أن اللحظة قد تكون مواتية لتحدي هذه المكانة، غير أن ترجمة هذا الطموح إلى واقع تبدو مهمة شاقة ومعقدة.
وخلال السنوات الأخيرة، كشفت أزمات عالمية متتالية عن تصدعات في نظام العملة الدولية الذي يهيمن عليه الدولار، ما غذى استياء دول عديدة من النفوذ المالي الأمريكي.
ومع ذلك، يؤكد خبراء أن إزاحة الدولار تتطلب أكثر بكثير من الرغبة السياسية، إذ تستلزم بنية مالية عميقة واستعداداً لتحمل كلفة اقتصادية وسياسية كبيرة، بحسب موقع "أكسيوس".
هل خسر ترامب حربه التجارية مع الصين؟ - موقع 24إذا كانت الصين "الفقيرة والمتخلفة" قد تجرأت على مواجهة أمريكا في ذروة قوتها العالمية عام 1950، فمن غير المرجح أن تتراجع الآن، وهي تهيمن على الصناعة العالمية، وتعد دائناً رئيسياً للاقتصاد العالمي، بحوزتها نحو 6 تريليونات دولار من الأصول بالعملات الأجنبية، إذا ما احتُسبت ممتلكات البنوك ...
طموح صيني وحدود واقعية
بالنسبة لبكين، فإن أي محاولة جادة لمنافسة الدولار تعني تخفيف القيود الصارمة المفروضة على حركة رؤوس الأموال إلى داخل البلاد وخارجها، وهي قيود تعد أداة أساسية من أدوات سيطرة الدولة على الاقتصاد. ويشكل ذلك تناقضاً واضحاً مع النموذج الأمريكي، حيث يتمتع الدولار بحرية تدفق شبه كاملة عبر الحدود.
وفي هذا السياق، نشرت مجلة "تشيوشي"، وهي مجلة فكرية بارزة للحزب الشيوعي الصيني، تصريحات للرئيس الصيني شي جينبينغ شدد فيها على أهمية بناء "قوة مالية عالمية" للصين.
ووفق ترجمة نقلتها وكالة "بلومبرغ"، اعتبر شي أن الدولة القوية مالياً يجب أن تمتلك "عملة قوية، مستخدمة على نطاق واسع في التجارة والاستثمار وأسواق الصرف الأجنبي، وتتمتع بوضع عملة احتياط عالمية".
نفوذ الدولار
ولا يزال الدولار يشكل العمود الفقري للنظام المالي العالمي، إذ يستخدم في التجارة الدولية حتى بين أطراف لا تربطهم بالولايات المتحدة علاقات مباشرة، كما يعد ملاذاً آمناً للمستثمرين حول العالم. هذا الواقع يمنح واشنطن نفوذاً سياسياً واسعاً، تفعله عبر أدوات مثل العقوبات الاقتصادية.
وتستطيع الولايات المتحدة، من خلال هذا النفوذ، عزل خصومها- مثل روسيا وإيران وكوريا الشمالية- عن النظام المالي العالمي، ما يثير استياء دول أخرى حتى تلك التي تحتفظ بعلاقات جيدة مع واشنطن، كالهند والبرازيل.
شبكة معقدة لا تبنى بسهولة
ويرى محللون أن مجرد الدعوة إلى عالم أقل اعتماداً على الدولار لا تكفي. فمكانة العملة الأمريكية تستند إلى شبكة معقدة من العوامل، تشمل سوقاً ضخمة لسندات الخزانة الأمريكية يمكن تداولها بحرية، وبنكاً مركزياً مستقلاً، وعملة تخضع لقوى السوق، إضافة إلى أنظمة دفع مالية تطورت على مدى عقود.
ويقول إيسوار براساد، أستاذ الاقتصاد في جامعة كورنيل ومؤلف كتاب "The Doom Loop"، إن هناك "رغبة متزايدة في تنويع الاحتياطيات بعيداً عن الدولار، لكن الخيارات المتاحة من الأصول عالية الجودة تبقى محدودة".
ويضيف براساد أن الحديث المتكرر عن تراجع الدولار لا ينعكس في الواقع العملي، مشيراً إلى تسجيل تدفقات صافية كبيرة نحو الأسواق المالية الأمريكية خلال الأشهر الـ 12 إلى الـ 14 الماضية.
تراجع كبير للدولار أمام اليوان - موقع 24تراجع الدولار أمام اليوان الصيني خلال تعاملات اليوم الثلاثاء، في السوق الصينية.
ورغم ذلك، يشير براساد إلى أن الصين حققت بعض التقدم، لا سيما في مجال الخدمات المصرفية العابرة للحدود، ما جعل استخدام اليوان أسهل في المعاملات بين دول غير أمريكية. كما سهلت بكين وصول المستثمرين الأجانب إلى سوق السندات الصينية، غير أن استمرار القيود على حركة رؤوس الأموال يحدان من جاذبية الأصول المقومة باليوان كبديل لسندات الخزانة الأمريكية.
ويتوقع خبراء أن ترتفع حصة اليوان في احتياطيات بعض الاقتصادات الناشئة، مدفوعة بدوافع التنويع والتوترات الجيوسياسية.
غير أن هذا التقدم سيظل محدوداً، في ظل استمرار القيود الرأسمالية في الصين، ما يجعل تحدي هيمنة الدولار هدفاً بعيد المنال في المدى المنظور.