أكد الدكتور محمد الكويتي، رئيس مجلس الأمن السيبراني لحكومة الإمارات، أن الدولة تمتلك منظومة وطنية متكاملة للأمن السيبراني قادرة على رصد التهديدات الرقمية والتعامل معها بكفاءة عالية، مشيراً إلى أن البنية التحتية الرقمية تتعرض يومياً لما بين 90 ألفاً وأكثر من 200 ألف هجمة سيبرانية، يُحبَط جميعها بشكل استباقي دون أي تأثير على استمرارية الخدمات أو أمن البيانات.
وقال الكويتي إن الدولة شهدت منذ مطلع عام 2026 تسجيل 128 حادثة تهديد سيبراني استهدفت جهات مختلفة، شملت هجمات فدية ومحاولات اختراق لجهات حكومية وحوادث تسريب بيانات، مؤكداً أن جميعها جرى التعامل معها وفق إجراءات استجابة وطنية موحدة تكفل سرعة الاحتواء وتقليل المخاطر.
استهدافات دولية
وأشار إلى أن الجهات الحكومية وقطاع الخدمات المالية والمصرفية تصدّرا قائمة القطاعات الأكثر استهدافاً، لافتاً إلى تنوع أساليب الهجمات بين تشويه المواقع الإلكترونية وتسريب البيانات ومحاولات الوصول غير المصرح به وهجمات حجب الخدمة والفدية المنظمة.
وأوضح أن التحليل الاستخباراتي كشف أن نسبة كبيرة من هذه الهجمات تقف خلفها مجموعات تهديد متقدمة مدعومة من دول، إلى جانب أنشطة إجرامية رقمية وجماعات تخريب إلكتروني، يجري رصدها ومتابعتها باستمرار عبر منظومات المراقبة الوطنية بالتنسيق مع الجهات المختصة.
أبرز التحديات
وفيما يتعلق بتقنيات التزييف العميق والشائعات الرقمية، أكد الكويتي أن هذا النوع من التهديدات بات من أبرز التحديات السيبرانية الحديثة، نظراً لتأثيره المباشر في الثقة العامة والسمعة المؤسسية والدولية، لافتاً إلى أن الدولة ترصد باستمرار محاولات نشر محتوى مضلل أو مفبرك، لا سيما تلك التي تستهدف القطاعات المالية والاقتصادية أو تسعى إلى استغلال أسماء شخصيات رسمية.
وأضاف "أنه وإن كان لا يوجد رقم رسمي لحالات التزييف العميق المرتبطة بالإمارات، فإن مقاطع فيديو مفبركة تُستخدم بشكل متزايد، من بينها مواد تُظهر شخصيات عامة وكأنها تروّج لعمليات احتيال أو تُصدر قرارات غير صحيحة، بهدف تقويض الثقة العامة والتأثير على الأسواق والإضرار بسمعة الدولة".
وأوضح أن التوترات الجيوسياسية في المنطقة أسهمت في تصاعد الخطاب الرقمي المعادي للدولة، مدفوعةً بالنزاعات الإقليمية والخلافات الدبلوماسية، فضلاً عن الاستخدام المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي الذي أدى إلى تنشيط جماعات الهاكتيفيست عبر الفضاء الرقمي الإقليمي.
وكشف أن رصد 21 مجموعة تهديد متقدمة نشطة و60 جهة من جماعات الهاكتيفيست والمجرمين السيبرانيين أظهر أن الهجمات تنطلق أساساً من آسيا وأوروبا وأمريكا الجنوبية، إذ تمثل آسيا نحو 66.7% من مصادر الجهات المدعومة من دول، مقابل 14.3% من أوروبا، فيما تعود النسبة المتبقية لجهات من الشرق الأوسط أو عابرة للحدود.
وعلى صعيد قنوات التنسيق، أشار إلى أن 49.2% من الهجمات جرى تنسيقها عبر تطبيق تيليغرام، و40.6% عبر الويب المفتوح من خلال المنتديات والأسواق الرقمية، فيما نُسِّق 10.2% عبر شبكات الويب المظلم المرتبطة أساساً بهجمات الفدية.
وأكد أن الجهات المختصة تعمل على مواجهة هذه التهديدات عبر منظومة تقنية وتشريعية متكاملة تشمل الرصد المبكر والتحليل المتقدم للمحتوى والتوعية المجتمعية، إلى جانب تطوير أطر تنظيمية لاستخدامات الذكاء الاصطناعي بما يحدّ من إساءة توظيف هذه التقنيات.
استراتيجية وطنية
وأشار الكويتي إلى أن الاستراتيجية الوطنية للأمن السيبراني 2025-2031 تمثل خارطة طريق شاملة لتعزيز أمن الفضاء السيبراني، مشيراً إلى تنفيذ مبادرة وطنية لأمن الذكاء الاصطناعي تهدف إلى إنشاء مركز تميز يضمن الاستخدام الآمن والأخلاقي للتقنيات الذكية، إلى جانب تطوير برنامج وطني لاعتماد مزودي خدمات الأمن السيبراني.
وأضاف "أن الدولة تمتلك غرفة عمليات سيبرانية وطنية مركزية تُتيح تبادل المعلومات الاستخباراتية فورياً بين مراكز العمليات القطاعية المختلفة، وتدعم اتخاذ قرارات سريعة مبنية على البيانات في حالات الطوارئ السيبرانية".
أنواع الهجمات
وفيما يخص أنواع الهجمات، أوضح أن تشويه المواقع الإلكترونية شكّل 38.3% من إجمالي الهجمات، تلاه تسريب البيانات بنسبة 25.8%، ثم اختراق البيانات بنسبة 13.3%، والوصول غير المصرح به بنسبة 10.2%، فيما بلغت هجمات الفدية 7.8% وهجمات حجب الخدمة 4.7%.
وأوضح أن الجهات المدعومة من دول استحوذت على 71.4% من الجهات المرصودة، بواقع 15 مجموعة من أصل 21، فيما تقاسمت الجريمة الإلكترونية المنظمة وجماعات الهاكتيفيست النسبة المتبقية بالتساوي بواقع 14.3% لكل منهما. والهاكتيفيست مجموعات أو أفراد يوظفون الهجمات السيبرانية أداةً للتعبير عن مواقف سياسية أو أيديولوجية.
القطاعات المستهدفة
وحول القطاعات الأكثر استهدافاً، أوضح الكويتي أن الجهات الحكومية جاءت في الصدارة بنسبة 9.4%، تلتها الخدمات المالية والمصرفية بنسبة 9.3%، ثم العقارات بنسبة 5.5%، والإنشاءات والهندسة بنسبة 4.7%، فيما تراوحت نسب قطاعات الخدمات المهنية والنقل والضيافة والتعليم والتسويق بين 3.1% و3.9%، وجاءت السلع الفاخرة والهندسة المعمارية والاستشارات الإدارية بنسبة 2.3% لكل منها.
وأكد الكويتي أن الدولة تواصل الاستثمار في بناء الكفاءات الوطنية في مجال الأمن السيبراني عبر برامج متخصصة وأكاديميات قيادية ومبادرات تدريبية، إلى جانب دعم الابتكار وريادة الأعمال في هذا القطاع بما يعزز الاستدامة الرقمية والأمن الوطني.
وفيما يتعلق بالتعاون الدولي، أكد أن الإمارات تنتهج سياسة فاعلة في تعزيز الشراكات الإقليمية والدولية عبر قنوات متعددة الأطراف واتفاقيات ثنائية لتبادل معلومات التهديدات والتنسيق في الاستجابة للحوادث، في نهج متكامل يوازن بين السيادة الوطنية والانفتاح المسؤول على التعاون الدولي لمواجهة التهديدات العابرة للحدود.
