طرحت صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيلية في تحليل لها، تساؤلات حول الأسباب التي دفعت الولايات المتحدة إلى تحويل تركيزها من دعم المحتجين في إيران إلى التفاوض مع طهران بشأن برنامجها النووي، خاصة بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن البرنامج قد تم "محوه بالكامل" في حرب يونيو (حزيران) 2025، وأوضحت الصحيفة أن هذا التحول يعود إلى حسابات سياسية واستراتيجية معقدة.

ووفقاً لـ"جيروزاليم بوست"، فإن هناك تناقضاً واضحاً بين التصريحات التي أكدت "محو البرنامج النووي" وبين حقيقة "التفاوض بشأن البرنامج النووي"، كما تساءلت الصحيفة عن سبب صمت ترامب المفاجئ عن شعاره الذي أطلقه قبل أسابيع فقط: "المساعدة في طريقها إلى المحتجين".

لماذا عاد الملف النووي إلى الطاولة؟

أشارت الصحيفة إلى أن الإجابة تكمن في التمييز بين ما حققته العملية العسكرية فعلياً، واللغة المستخدمة لوصفها، والأهداف طويلة الأمد التي تحرك السياسة الأمريكية، فالبرنامج النووي ليس هدفاً واحداً، بل هو مجمع صناعي يشمل منشآت ومعدات وخبرات فنية وسلاسل توريد ومعرفة مؤسسية، موضحة أن الضربات العسكرية يمكن أن تدمر البنية التحتية، لكنها لا تستطيع محو المعرفة العلمية أو القضاء على النية.
وذكرت الصحيفة أنه عندما قال ترامب إن البرنامج قد "مُحي"، كان يصف حالته التشغيلية الفورية وقدرته على التخصيب على نطاق صناعي، والتي تم تحطيمها بالفعل، لكن تدمير القدرة الحالية لا يعني القضاء على القدرة على إعادة البناء، فإيران لا يزال لديها علماؤها ومخططاتها الفنية، ويمكنها إعادة البناء ما لم تُفرض عليها قيود، وهنا يأتي دور المفاوضات. 
واستطردت الصحيفة: "لهذا السبب، كانت إسرائيل أكثر حذراً في تصريحاتها، حيث قال رئيس الأركان إيال زمير إن الضربة ألحقت أضراراً كبيرة بالبرنامج النووي وأعادته سنوات إلى الوراء، وليس إلى الأبد.

التحول من الاحتجاجات إلى القضية النووية

أوضحت "جيروزاليم بوست" أن القمع الذي تعرض له المحتجون، والذي أودى بحياة ما يقرب من 30 ألف شخص، كان هو الدافع الأصلي لتحرك الأسطول الأمريكي نحو الشرق الأوسط، مشيرة إلى أنه ففي أوائل يناير (كانون الثاني)، ربط خطاب ترامب التحرك العسكري المحتمل بقمع طهران للمتظاهرين، ولكن بحلول نهاية الشهر، تحول المبرر إلى ضرورة وقف برنامج إيران النووي.
وعزت الصحيفة هذا التحول إلى أن واشنطن خلصت إلى أن الملف النووي كان أكثر إلحاحاً وقابلية للسيطرة، وأقل تكلفة سياسية من سياسة دعم الاحتجاجات بشكل علني.
وخلص التحليل إلى أنه بمجرد قمع موجة الاحتجاجات بوحشية، تضاءلت قدرة واشنطن على التأثير في الأحداث على الأرض، وفي المقابل، ظل الملف النووي ساحة تحتفظ فيها الولايات المتحدة بنفوذها. 
وتابعت الصحيفة: "لقد كان دعم المحتجين قوياً من الناحية الخطابية، لكن منع إيران نووية أصبح هو الأولوية الحاكمة، حيث خلصت واشنطن إلى أن هذا الهدف يحمل مخاطر أقل ويفوق الرغبة في التدخل في ثورة لا يمكنها السيطرة عليها".