بينما تتصاعد نيران الحرب في الشرق الأوسط، وجّهت إيران رسائل عسكرية حساسة إلى حلف شمال الأطلسي عبر إطلاق صواريخ باتجاه الأراضي التركية، في خطوة تبدو وكأنها اختبار مباشر لقدرة الحلف على حماية أحد أهم خطوط دفاعه المتقدمة في أوروبا.
في أعالي جبال شرق تركيا، وعلى بُعد نحو 1200 كيلومتر من طهران، يقع أحد أكثر المواقع حساسية في منظومة الدفاع الصاروخي التابعة لحلف شمال الأطلسي، وهو رادار الإنذار المبكر الأمريكي "AN/TPY-2" في قاعدة كورغيك، بحسب ما ذكرت وكالة "بلومبيرغ" الإخبارية.
ويُعد هذا الرادار من أقرب أنظمة الإنذار المبكر إلى إيران، حيث يستخدم لتتبع الصواريخ التي قد تُطلق في أنحاء الشرق الأوسط. وتشير تقديرات مسؤولين مطلعين على تفكير الحكومة التركية إلى أن واحداً على الأقل من 3 صواريخ إيرانية تم اعتراضها خلال الأسبوعين الماضيين كان موجّهاً على الأرجح نحو هذا الموقع الاستراتيجي.
وتكمن أهمية القاعدة في أنها توفر معلومات مبكرة لأنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية والأطلسية، ما يساعد في حماية مناطق واسعة تمتد حتى أوروبا.
وقال الخبير العسكري التركي المستقل أردا مولوتوغلو، إن موقع كورغيك يقع في الخط الأمامي لمنظومة الدفاع الصاروخي الأوروبية، مضيفاً أن تعطيله سيجعل اكتشاف الصواريخ المتجهة إلى أوروبا في وقت مبكر أكثر صعوبة بكثير.
مخزون إيران النووي.. معضلة أمنية للولايات المتحدة وإسرائيل - موقع 24تطرح مسألة السيطرة على مخزون إيران من اليورانيوم المخصب تحدياً عسكرياً معقداً في ظل الحرب الدائرة، إذ يرى خبراء ومسؤولون سابقون أن ترك هذه المواد في إيران يحمل مخاطر، فيما قد يتطلب الاستيلاء عليها عملية عسكرية واسعةً ومعقدةً.
إيران تختبر الناتو
رغم أن الزعيم الأعلى الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، هدّد بتوسيع نطاق الرد على الضربات الأمريكية والإسرائيلية لتشمل أهدافاً إضافية، فإن أنقرة لا تعتقد أن طهران تحاول جرّ تركيا مباشرة إلى الحرب.
ومع ذلك، يرى مسؤولون أتراك أن إطلاق صواريخ متفرقة بشكل متقطع قد يكون محاولة لاختبار قدرة حلف الناتو على الرد السريع.
وعلى الرغم من أن السلطات التركية لم تعلن رسمياً الأهداف المحتملة لهذه الصواريخ، فإن الحوادث دفعت الحلف إلى التحرك بسرعة، حيث أرسل بطارية من صواريخ الدفاع الجوي باتريوت لحماية الرادار في كورغيك.
وتشير تقارير إلى أن إيران حاولت منذ بداية الحرب إضعاف أنظمة الإنذار المبكر الأمريكية في المنطقة، بما في ذلك هجوم دمّر راداراً مشابهاً في الأردن كان يُستخدم لتوجيه أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية.
في المقابل، نفت طهران إصدار أي أوامر أو تورط مباشر في هذه الهجمات، لكن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان قال إن بلاده تراجع بيانات تقنية تشير إلى احتمال عكس ذلك، مؤكداً أن أنقرة تناقش هذا "التناقض" مع طهران.
الحياد والحسابات الاستراتيجية
العلاقة بين تركيا وإيران تاريخية ومعقدة، إذ تعود حدود البلدين إلى معاهدة عام 1639، وهي واحدة من أقدم الحدود الدولية المستقرة في العالم. ومنذ ذلك الحين، تجنب البلدان الدخول في حرب مباشرة.
لكن موقع تركيا الجغرافي، الذي يربط بين أوروبا وآسيا، جعلها لاعباً محورياً في منظومة الأمن الغربي منذ انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي عام 1952.
ورغم ذلك، شهدت العلاقة بين أنقرة والحلف توترات بسبب شراء تركيا منظومة الدفاع الجوي الروسية S-400، وهو نظام لا يتوافق مع أنظمة الناتو، ما دفع واشنطن إلى مطالبة أنقرة بالتخلي عنه والعودة إلى برنامج المقاتلات F-35.
وفي ظل التصعيد الحالي، حذّر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، إيران من استهداف بلاده، مؤكداً في الوقت نفسه أن تركيا تسعى لتجنب الانجرار إلى الحرب.
وقال أردوغان: "نحن نتحرك بحذر شديد إزاء المؤامرات والاستفزازات التي تهدف إلى جرّ بلادنا إلى الحرب.. أولويتنا القصوى هي إبقاء تركيا بعيداً عن حفرة النار هذه".
لماذا لن ينجو الاقتصاد العالمي من صدمة حرب إيران؟ - موقع 24حذر الكاتب آندي هالدين، كبير الاقتصاديين السابق في بنك إنجلترا، في تحليل بصحيفة "فايننشيال تايمز" البريطانية، من أن الصدمة الاقتصادية الناجمة عن الصراع الإيراني ستترك ندوباً أعمق وأكثر ديمومة من أزمات سابقة، مؤكداً أن مرونة الاقتصاد العالمي التي ظهرت في أزمات ماضية لن تتكرر هذه المرة.
أهداف أخرى
لا يقتصر القلق على قاعدة كورغيك فقط، إذ تم اعتراض أحد الصواريخ فوق قاعدة إنغرليك الجوية في جنوب تركيا، وهي منشأة رئيسية تستضيف قوات أمريكية وأطلسية وتُستخدم في عمليات عسكرية إقليمية.
كما يشير محللون إلى احتمال استهداف محطة جيهان النفطية القريبة، في إطار استراتيجية إيرانية أوسع لزعزعة تدفقات الطاقة والتجارة في المنطقة.
وترى الباحثة في معهد الشرق الأوسط غونول تول أن موقع تركيا عند تقاطع طرق الطاقة العالمية يجعلها عنصراً حاسماً في هذه المعادلة، بينما يعتقد بعض الخبراء أن طهران قد تحاول زيادة تكلفة حياد تركيا سياسياً ودفعها إلى لعب دور أكثر نشاطاً في إنهاء الحرب.
وفي النهاية، يبدو أن الصواريخ التي سقطت أو تم اعتراضها فوق تركيا لا تحمل فقط رؤوساً حربية، بل رسائل سياسية معقدة إلى أنقرة وحلفائها في الناتو حول حدود القوة والردع في منطقة تتجه بسرعة نحو مزيد من التصعيد.