أفادت شبكة "سي. إن. إن" بأن الصين نجحت إلى حد كبير في اجتياز أول اختبار حقيقي لإستراتيجيتها طويلة الأمد في تحقيق "أمن الطاقة"، رغم تداعيات الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وما رافقها من اضطرابات حادة في أسواق النفط العالمية.

وتشير الشبكة إلى أن الرئيس الصيني شي جين بينغ أشرف على مدى أكثر من عقد على إعادة تشكيل عميقة لمنظومة الطاقة في بلاده، بهدف تقليل الاعتماد على الواردات الخارجية وتحصين الاقتصاد ضد "الصدمات الخارجية"، عبر مزيج من التوسع في الطاقة المتجددة وتعزيز الإنتاج المحلي وتنويع مصادر الاستيراد. 

وبحسب التقرير، أطلقت بكين ثورة واسعة في مجالات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الكهرومائية، بالتوازي مع التوسع في التنقيب عن النفط والغاز داخل البلاد وخارجها، إلى جانب إبرام شراكات استراتيجية لتأمين الإمدادات.

وتواجه بكين ضغوطاً كبيرة نتيجة اعتمادها الكبير على واردات النفط، إذ تستورد نحو 80% من احتياجاتها من الخام، ما يجعل أي اضطراب جيوسياسي بمثابة تهديد مباشر لاستقرارها الاقتصادي.

وفي اختبار الحرب الأخيرة، بدت الصين أكثر قدرة على امتصاص الصدمة مقارنة بدول آسيوية أخرى واجهت نقصاً حاداً في الإمدادات، إذ اعتمدت بكين على مخزونات نفطية كبيرة، واقتصاد صناعي مدعوم بمصادر طاقة محلية، إضافة إلى تسارع التحول نحو السيارات الكهربائية، ما خفّف الضغط على الطلب على الوقود التقليدي.

ونقلت الشبكة عن الباحثة في مركز سياسة الطاقة بجامعة كولومبيا، إيريكا داونز، قولها إن قدرة الصين على التعامل مع تداعيات الأزمة "تُعد بمثابة تأكيد على صحة السياسات التي اتبعتها لتعزيز أمن الطاقة"، مضيفة أن بكين "يمكنها الآن القول إنها اتخذت القرارات الصحيحة".

في المقابل، يظهر التقرير تبايناً واضحاً بين النموذجين الصيني والأمريكي في إدارة ملف الطاقة، خاصة مع تراجع الزخم في الولايات المتحدة تجاه الطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية، ما يعمّق الفجوة بين أكبر اقتصادين في العالم.

خنق اقتصادي

وتاريخياً، تنظر الصين إلى اعتمادها على واردات الطاقة، خصوصاً من الشرق الأوسط، باعتباره نقطة ضعف استراتيجية، في ظل مخاوف من إمكانية تعطيل الإمدادات عبر ممرات بحرية ضيقة مثل مضيق ملقا.

لذلك، عملت بكين على بناء شبكة واسعة من خطوط الأنابيب البرية لنقل النفط والغاز من آسيا الوسطى وروسيا وميانمار، إلى جانب تنويع مورديها، حيث تصدرت روسيا قائمة الموردين بعد الحرب في أوكرانيا.

لكن، وبخلاف السياسات السابقة التي ركزت على تنويع مصادر الاستيراد، سعى شي جين بينغ إلى تقليل الاعتماد الخارجي بشكل جذري، عبر تعزيز الإنتاج المحلي وتسريع التحول نحو الطاقة النظيفة، مع تبني نهج يقوم على "الاستعداد لأسوأ السيناريوهات" في بيئة دولية متقلبة.

وفي هذا الإطار، توسعت الصين بشكل غير مسبوق في إنشاء مزارع الطاقة الشمسية والرياح، إلى جانب تطوير صناعة السيارات الكهربائية التي باتت تنافس بقوة السيارات التقليدية، مستفيدة من سيطرتها على سلاسل توريد المواد الخام اللازمة لهذه الصناعات.

الصين تجد الحل

كما تعمل بكين على تطوير مشاريع طموحة في مجالات الطاقة النووية والهيدروجين الأخضر، ورغم هذه النجاحات، يؤكد التقرير أن الصين لم تحقق الاكتفاء الذاتي الكامل، إذ لا تزال تعتمد على الواردات لتأمين نحو 70% من احتياجاتها النفطية وقرابة 40% من الغاز الطبيعي، ما يجعلها عرضة نسبياً لتقلبات السوق العالمية.

وتخلص الشبكة إلى أن الحرب في إيران شكّلت اختباراً حقيقياً لإستراتيجية "حصن الطاقة" التي بنتها الصين، إذ أظهرت قدرة نسبية على الصمود، لكنها في الوقت ذاته كشفت أن تحقيق الاستقلال الكامل في هذا المجال لا يزال هدفاً بعيد المدى.