قد لا تبدأ الزيارة الرئاسية عند سلم الطائرة، لكنها تبدأ فعلياً بسلسلة أرقام ضخمة تتحرك قبل وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين بوقت طويل وهناك ملايين الدولارات تُنفق خلال أيام معدودة، في واحدة من أكثر الرحلات السياسية تعقيداً وكلفة في العالم، حيث تتحول الدبلوماسية إلى عملية تشغيلية بحجم مدينة كاملة لكنها في الزيارة "مدينة متنقلة".
وبينما يتركّز الضوء على اللقاءات السياسية والملفات الاقتصادية، تبقى خلف الكواليس منظومة مالية وأمنية هائلة ترفع تكلفة الزيارة إلى مستويات غير مسبوقة، وتحوّل كل ساعة من الرحلة إلى بندٍ ثقيل في فاتورة دولة كاملة.

30 مليون دولار
وتتجاوز تكلفة زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى الصين حاجز 30 مليون دولار، لتصبح واحدة من أكثر الزيارات السياسية تكلفة على مستوى العالم، في ظل التعقيدات الأمنية واللوجستية غير المسبوقة التي ترافق تحركات الرئيس الأمريكي خارج البلاد.
وتعيد الأرقام الحالية إلى الأذهان زيارة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون إلى الصين عام 1998، والتي بلغت تكلفتها حينها نحو 18.8 مليون دولار، وفق تقرير صادر عن مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي للعام 1999، وهو ما يعادل أكثر من 35 مليون دولار بأسعار اليوم بعد احتساب معدلات التضخم.
لكن التكلفة الحقيقية للزيارة لا تقتصر على اللقاءات الرسمية أو مراسم الاستقبال، بل تمتد إلى منظومة تشغيلية وأمنية ضخمة تتحرك بالتزامن مع الرئيس الأمريكي، وتستهلك ملايين الدولارات خلال أيام معدودة فقط.

200 ألف دولار في الساعة!
ويبدأ الجزء الأكبر من النفقات من الجو، حيث تُعد الطائرة الرئاسية الأمريكية "إير فورس وان" واحدة من أعلى الطائرات تكلفةً في التشغيل عالمياً، إذ تُقدّر تكلفة تشغيلها بنحو 200 ألف دولار في الساعة الواحدة، وفق بيانات عسكرية أمريكية وتقارير متخصصة في هذا المجال.
ومع رحلة تتجاوز 30 ساعة ذهاباً وإياباً بين واشنطن وبكين، فإن تكلفة الرحلة الجوية وحدها تصل إلى نحو 6 ملايين دولار تقريباً، دون احتساب الطائرات المرافقة.
الزيارات الرئاسية الأمريكية الكبرى لا تعتمد على الطائرة الرئاسية فقط، بل ترافقها عادة طائرات شحن عسكرية، وطائرات احتياطية، وطائرات للتزود بالوقود جواً، إضافة إلى منظومات أمنية واتصالات متقدمة، ما يرفع التكلفة التشغيلية إلى مستويات ضخمة.
كما تتضمن الزيارة تجهيز غرف آمنة محصنة لعقد الاجتماعات الحساسة، مصممة لمنع التنصت والمراقبة الإلكترونية، ويمكن إنشاؤها داخل الفنادق أو المواقع الخاضعة للسيطرة خلال الزيارات الدبلوماسية الكبرى.
مدينة متنقلة
وخلف الرئيس الأمريكي، تتحرك فعلياً "مدينة متنقلة" تضم مئات من عناصر الخدمة السرية، وفرق الاتصالات، والأطباء، والخبراء التقنيين، والموظفين الإداريين، إلى جانب الصحفيين والمواكب والسيارات المدرعة والأنظمة اللوجستية المعقدة.
ومع تصاعد المخاوف الأمريكية من التجسس السيبراني الصيني، ترتفع النفقات الأمنية بشكل إضافي، إذ يتجنب المسؤولون الأمريكيون المرافقون لترامب استخدام هواتفهم الشخصية داخل الصين، ويلجأ كثير منهم إلى أجهزة مؤقتة ومعدات شحن معتمدة مسبقاً، خشية عمليات اختراق إلكتروني عبر الشبكات المحلية أو منافذ "يو.أس.بي".
ورغم الطابع السياسي والاستراتيجي للزيارة، فإن المفارقة الاقتصادية تكمن في أن جزءاً كبيراً من هذه الأموال يُنفق داخل الصين نفسها، عبر الفنادق والخدمات اللوجستية والتنقلات والتجهيزات المحلية والحماية الميدانية، ما يضخ ملايين الدولارات في الاقتصاد الصيني خلال أيام قليلة.
وفي مشهد يحمل دلالات رمزية، تبدو زيارة ترامب مرتبطة اقتصادياً بالصين، رغم أن الرئيس الأمريكي كان أحد أبرز قادة الحرب التجارية وفرض الرسوم الجمركية على بكين خلال السنوات الماضية.
ضيوف ترامب
بالإضافة لما سبق هناك معادلة أخرى تحملها زيارة ترامب للصين من حيث التكلفة تمثلت في انضمام مجموعة من كبار المليارديرات تبلغ ثرواتهم مجتمعة نحو 1.07 تريليون دولار إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في زيارته إلى الصين هذا الأسبوع.
وعلى سبيل المثال لا الحصر من بين المليارديرات إيلون ماسك الرئيس التنفيذي لشركة تسلا الذي تبلغ ثروته 829.8 مليار دولار، وجنسن هوانغ رئيس شركة إنفيديا بثروة تقدر بـ195.5 مليار دولار، وستيفن شوارزمان رئيس بلاكستون بـ39.9 مليار دولار، وتيم كوك الرئيس التنفيذي لشركة آبل بـ2.9 مليار دولار، ولاري كولب رئيس جنرال إلكتريك بـ1.8 مليار دولار، ولاري فينك رئيس بلاك روك بثروة تبلغ 1.3 مليار دولار.
كما ضمّت القائمة كبار التنفيذيين المشاركين في الزيارة كلاً من كلي أورتبرغ الرئيس التنفيذي لشركة بوينغ وديفيد سولومون رئيس غولدمان ساكس، وجين فريزر الرئيسة التنفيذية لسيتي غروب، ليصل إجمالي الحضور إلى 17 من كبار التنفيذيين في القمة.
زيارة ترامب إلى الصين أكثر من مجرد محطة دبلوماسية عابرة؛ فهي اختبار جديد لمعادلة النفوذ بين أكبر اقتصادين في العالم وخلف الصور الرسمية والمصافحات البروتوكولية، تتحرك تريليونات الدولارات، وتتنافس الشركات العملاقة على إعادة رسم خريطة الأسواق والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.