قالت صحيفة "فايننشال تايمز" إن بريطانيا تعيش أزمة قيادة غير مسبوقة، بعد تعاقب 6 رؤساء وزراء خلال 10 سنوات، مشيرة إلى أن رئيس الوزراء الحالي كير ستارمر يقاتل بشراسة من أجل البقاء، بعد أقل من عامين على فوزه الساحق في انتخابات يوليو (تموز) 2024. 

وأوضحت الصحيفة البريطانية، أن المنصب ربما أصبح "مهمة مستحيلة" في ظل تدهور المؤسسات السياسية والخدمة المدنية، وتفضيل السياسيين للمكاسب قصيرة الأجل على حساب الحكم المستقر، مما يهدد البلاد بأزمة مالية وفراغ سياسي.

وبحسب "فايننشال تايمز"، طالما كانت بريطانيا واحة للاستقرار ونموذجاً للحكم الرشيد منذ أربعينيات القرن التاسع عشر وحتى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لكنها تواجه الآن خطر التحول إلى "أضحوكة"، وأرجعت ذلك إلى تآكل الهياكل التي دعمت القوة البريطانية، فالبرلمان يتداعى مادياً وتنظيمياً، وتتراجع جودة النواب الذين باتوا يفضلون المصالح الشخصية على الحزبية. 

كما تدهور أداء الخدمة المدنية مع استقالة أبرز مسؤوليها، فضلاً عن دور الناخبين الذين باتوا يتوقعون استجابة سريعة لمطالبهم.

أزمة تاريخية تضرب حزب العمال

وأشارت الصحيفة إلى أن حزب العمال يواجه أسوأ أزماته منذ عام 1931، فرغم فوز ستارمر بتفويض كبير، إلا أنه فقد ثقة حكومته وحزبه بسبب التراجعات المتعددة، والتعيينات الكارثية، ولفتت إلى أن الحزب تكبد خسائر فادحة في الانتخابات المحلية الأسبوع الماضي، حيث فقد السيطرة على 38 مجلساً محلياً لصالح حزب "إصلاح بريطانيا"، بينما اتجه الناخبون الشباب والمسلمون الغاضبون من حرب غزة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023 لدعم حزب الخضر والمستقلين، وسط انقسام عميق حول خليفة ستارمر المحتمل.

انهيار المحافظين وتراجع الخبرات

وفي الوقت ذاته، يعاني حزب المحافظين من أزمة وجودية بعد تسجيله أسوأ هزيمة انتخابية في تاريخه عام 2024، حيث تم القضاء عليه تقريباً في ويلز واسكتلندا، مع انشقاق قيادات بارزة لصالح حزب الإصلاح. 

ووفقاً للتحليل، فإن نجاح أي رئيس وزراء يتطلب خبرة واستقراراً وخططاً واضحة، وهو ما يفتقده القادة الحاليون، وأوضحت الصحيفة أن رؤساء الوزراء الخمسة الذين سبقوا ليز تراس خدموا في 3 إدارات حكومية فقط، مقارنة بـ38 إدارة لرؤساء الوزراء الأقدم، مما يعكس انهياراً مذهلاً في الخبرة الوزارية، حيث بات القادة يفضلون الهوس باستطلاعات الرأي على الحكم طويل الأجل.

تحديات قاسية ومخاطر الانهيار

وترى الصحيفة أن دور رئيس الوزراء بات قاسياً ومدمراً للحياة الشخصية، حيث تتراكم التحديات على مكتب ستارمر، بدءاً من ضعف الإنتاجية وأزمة الهجرة، وصولاً إلى غلاء المعيشة، وارتفاع أسعار الطاقة، والديون الحكومية غير المستدامة، واكتظاظ السجون.

وتختتم "فايننشال تايمز" تحليلها بالتحذير من أن فشل رئيس الوزراء المقبل في معالجة هذه الأزمات سيفتح الباب واسعاً أمام حزب الإصلاح، وشددت على ضرورة تذكر رئيس الوزراء لصفته كـ"لورد أول للخزانة"، وأهمية إنشاء وزارة جديدة للنمو منفصلة عن الخزانة، وتعيين وزراء بخطط تفصيلية، واستعادة كبار الموظفين المدنيين بدلاً من المستشارين الخاصين، محذرة من أن إغضاب الأسواق المالية قد يدفع بريطانيا نحو حالة من الانهيار المالي والسياسي التام.