قالت صحيفة "غارديان" البريطانية، إن أوروبا تواجه "صدمة صينية" جديدة تهدد بابتلاع المصانع المحلية، مما يؤدي إلى فقدان الوظائف واستعمار فعلي للصناعة من قبل بكين.

وأوضحت الصحيفة، نقلاً عن محللين وممثلين تجاريين، أن هذا الخطر ينبع من الاعتماد المتزايد على المكونات المستوردة من الصين، وسط تحذيرات من أن انخفاض قيمة العملة الصينية والدعم الحكومي لـ"الشركات المتعثرة" يعيدان للأذهان الأزمة التي ضربت الولايات المتحدة قبل 25 عاماً.

وبحسب "غارديان"، يشعر الخبراء بالقلق من أن هذا المشهد يشبه تأثير اقتحام الصين لمسرح التجارة العالمي بعد انضمامها لمنظمة التجارة العالمية، والذي تسبب حينها في إزاحة الصناعات المحلية وفقدان نحو 2.5 مليون وظيفة، ونقلت الصحيفة عن ينس إسكيلوند، رئيس غرفة التجارة الأوروبية في بكين، قوله: "عندما يفكر الناس في الواردات الصينية، فإنهم يفكرون في السلع النهائية مثل السيارات الكهربائية، لكن المشكلة لا تكمن هنا، بل في الحجم الهائل للمكونات المستوردة من الصين، إن أوروبا تزداد اعتماداً على الصين".


خيارات صعبة أمام بروكسل

وأشارت الصحيفة إلى أنه مع تغلغل المكونات الصينية بشكل أعمق في شرايين الصناعة الأوروبية، يواجه الاتحاد الأوروبي خيارات قاسية، ووفقاً لتقارير صحفية نُشرت هذا الأسبوع، يدرس التكتل إجبار الشركات الأوروبية على شراء المكونات الحيوية من ثلاثة موردين مختلفين على الأقل، وسيجتمع المفوضون الأوروبيون في 29 مايو (أيار) لإجراء محادثات عاجلة حول التدابير الممكنة. 
وأشاد أوليفر ريختبيرج، رئيس التجارة الخارجية في منظمة صناعة الآلات والمعدات في أوروبا وألمانيا، بمستوى تفاعل بروكسل، مشيراً إلى أنها تبحث دائماً عن البيانات والآراء، موضاً أن الدعم الحكومي الصيني يجعل المنتجات أرخص، لكن القلق الأكبر يكمن في تغيرات سعر الصرف، حيث أشار الخبير الاقتصادي الألماني يورجن ماتيس إلى أن اليوان ربما يكون مقوماً بأقل من قيمته الحقيقية بنسبة 40% مقابل اليورو.

ابتلاع الصناعات وفقدان الوظائف

وأوضحت الصحيفة أن هذا الاعتماد يلحق ضرراً كبيراً بأوروبا، حيث نقلت عن ريختبيرج قوله إن الصناعة الأوروبية تفقد حصتها في السوق وتتعرض لضغوط هائلة، مشيراً إلى فقدان 22 ألف وظيفة في قطاع الآلات بألمانيا وحدها خلال العام الماضي. 

وأكد موقع "سوب بوكس" المتخصص في مراقبة التجارة الصينية، أن البيانات تؤكد احتمالية "ابتلاع" الصناعات، حيث يستورد الاتحاد الأوروبي 88% من الأحماض الأمينية و96% من الكحوليات متعددة الهيدروكسيل من الصين من حيث الحجم، وحذر الموقع من أن الإمدادات الرخيصة تجعل الإنتاج الأوروبي غير مجدٍ اقتصادياً، مما يترك التكتل معتمداً على المصدر ذاته الذي أزاحه.

عجز تجاري وتهديد وجودي

ولفتت الصحيفة إلى أن الفائض التجاري للصين مع الاتحاد الأوروبي يتضخم بشكل كبير، لدرجة أن البعض يرى أن تأثير الرسوم الجمركية الأوروبية لعام 2024 على السيارات الكهربائية الصينية قد تم محوه بالكامل بسبب سعر الصرف.
وأصبحت الصين الشريك التجاري الأول لألمانيا، متجاوزة الولايات المتحدة، حيث تضاعف الفائض الصيني مع ألمانيا إلى 25 مليار دولار بين عامي 2024 و2025، وتشير التقديرات إلى فقدان 250 ألف وظيفة صناعية في ألمانيا منذ عام 2019، ووصف إسكيلوند هذا الاعتماد المتزايد بأنه "قلق وجودي"، محذراً من أن التراجع الصناعي وفقدان الوظائف شهرياً قد يتحول إلى قضية أمنية.

تحركات أوروبية بطيئة

وتختتم الصحيفة تقريرها بالإشارة إلى أن الاتحاد الأوروبي طرح مقترحين تشريعيين لحماية الصناعة، هما "قانون المسرع الصناعي" وتحديث "قانون الأمن السيبراني"، لكنهما لن يدخلا حيز التنفيذ قبل عام 2027، مما يضع بروكسل تحت ضغط لإيجاد حلول فورية. 

ونقلت الصحيفة عن أندرو سمول، مدير برنامج آسيا بالمجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، قوله إن الأدوات الأوروبية الحالية لا تتناسب مع مستويات الاستيراد، مشيراً إلى أن الرسوم الجمركية ليست حلاً كافياً لتصحيح الخلل التجاري، وأضاف أن بكين لا تحتاج إلى إيقاف التدابير الأوروبية المضادة، بل يكفيها عرقلة العملية لضمان استمرار تدفق صادراتها.