سعى أكبر 6 اقتصادات في الاتحاد الأوروبي إلى إعادة رسم خريطة المال والاستثمار في القارة، عبر مشروع طموح يهدف إلى إنشاء سوق مالية أوروبية موحدة قادرة على منافسة بورصة "وول ستريت" الأمريكية وحي المال في لندن، في خطوة تعكس رغبة أوروبية متزايدة في تقليل الاعتماد على التمويل الخارجي وتعزيز القدرة الاقتصادية للقارة.

ووفقاً لما نقلته صحيفة "بوليتيكو"، اتفقت كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا وإسبانيا وبولندا على رؤية مشتركة لإنشاء سوق مالية أكثر تكاملاً على غرار النموذج الأمريكي، بما يسمح بتوجيه تريليونات اليوروهات من المدخرات الأوروبية نحو الاستثمار والإنتاج داخل الاتحاد.

ويأتي هذا التوجه في وقت تواجه فيه الحكومات الأوروبية ضغوطاً مالية متصاعدة نتيجة الأزمات الاقتصادية والحروب وارتفاع تكاليف الدفاع والطاقة، ما دفع صناع القرار الأوروبيين إلى البحث عن مصادر تمويل جديدة تعتمد بشكل أكبر على رؤوس الأموال الخاصة والمدخرات المحلية.

ويرتكز المشروع الجديد على إنشاء ما يسمى بـ"اتحاد الادخار والاستثمار"، وهو إطار اقتصادي يهدف إلى تسهيل انتقال الأموال والاستثمارات بين الدول الأوروبية، وتوحيد القواعد المالية والرقابية، بما يمنح الشركات والمستثمرين بيئة أقرب إلى السوق الأمريكية الموحدة.

ما هي "وول ستريت"؟

وتُعد "وول ستريت" أشهر منطقة مالية في العالم، وتقع في مدينة نيويورك الأمريكية، وتضم بورصة نيويورك وكبرى المؤسسات المالية والاستثمارية العالمية، وعلى مدى عقود، تحولت "وول ستريت" إلى رمز للقوة الاقتصادية الأمريكية، حيث تتمتع الولايات المتحدة بسوق مالية موحدة تسمح بحرية انتقال رؤوس الأموال والاستثمارات بين الولايات دون تعقيدات تنظيمية كبيرة، ما ساهم في جعلها أكبر مركز مالي عالمي.

وفي المقابل، لا تزال الأسواق المالية الأوروبية تعاني من التشتت، إذ تخضع كل دولة داخل الاتحاد الأوروبي تقريباً لأنظمة رقابية وقوانين استثمارية مختلفة، ما يحدّ من قدرة القارة على جذب الاستثمارات الضخمة أو منافسة الأسواق الأمريكية.

تعزيز دور الهيئة الأوروبية

ويتضمن المشروع الأوروبي أيضاً تعزيز دور هيئة الأوراق المالية والأسواق الأوروبية، وتحويلها تدريجياً إلى جهة رقابية مركزية أقوى على مستوى الاتحاد الأوروبي، بما يشبه الدور الذي تؤديه الهيئات الأمريكية المنظمة للأسواق المالية.

لكن هذه النقطة تحديداً لا تزال تثير خلافات داخلية بين الدول الست نفسها، خاصة فيما يتعلق بسرعة نقل الصلاحيات من الجهات الوطنية إلى الهيئة الأوروبية، ووفق التسوية الحالية، سيتم نقل بعض الصلاحيات بشكل تدريجي خلال فترة انتقالية "قصيرة قدر الإمكان"، دون تحديد جدول زمني نهائي حتى الآن.

وكانت كل من إيطاليا وهولندا قد اقترحتا سابقاً فترة انتقالية قد تصل إلى 8 سنوات، قبل أن تخفف لاهاي من موقفها لاحقاً وتدعو إلى تسريع العملية.

خلافات حول العملات المشفرة

ومن أبرز الملفات الخلافية أيضاً، مسألة توسيع صلاحيات الهيئة الأوروبية لتشمل الإشراف على شركات العملات المشفرة، التي تخضع حالياً لرقابة وطنية داخل كل دولة، وفي حل وسط، اتفقت الدول الست على أن تخضع شركات العملات المشفرة الكبرى لإشراف الهيئة الأوروبية مباشرة، بينما تبقى الشركات الأصغر تحت إشراف السلطات المحلية.

ورغم التوافق بين الاقتصادات الست الكبرى، فإن المشروع يواجه تحدياً سياسياً معقداً يتمثل في إقناع بقية الدول الأعضاء داخل الاتحاد الأوروبي بدعمه، وتحتاج الدول الست إلى تأييد 9 دول إضافية على الأقل لتمرير الإصلاحات داخل مجلس الاتحاد الأوروبي، وفق نظام التصويت الذي يشترط دعم 15 دولة تمثل ما لا يقل عن 65% من سكان الاتحاد.

ألمانيا تطالب واشنطن بخطة واضحة قبل سحب قواتها من أوروبا - موقع 24حذّر المفتش العام للجيش الألماني كارستن بروير، من أن أوروبا تحتاج إلى وقت وخطة أمريكية واضحة لإعادة بناء قدراتها الدفاعية، في ظل تسارع وتيرة إعادة التسلح وتصاعد المخاوف من تقليص الوجود العسكري الأمريكي في القارة، وفق ما نقلته وكالة "بلومبرغ" الإخبارية.

كما أثارت الخطوة مخاوف من ظهور ما يُعرف بـ"أوروبا بسرعتين"، أي أن تتقدم بعض الدول الكبرى في التكامل الاقتصادي والمالي، بينما تبقى دول أخرى على الهامش.

وفي هذا السياق، قال وزير المالية القبرصي ماكيس كيرافنوس إن إنشاء هيكل منفصل داخل الاتحاد الأوروبي  "قد يتعارض مع القناعة السائدة حالياً بضرورة إنهاء التجزئة داخل أوروبا".

11 تريليون يورو في الحسابات البنكية

ويعوّل صناع القرار الأوروبيون على المدخرات الضخمة الموجودة داخل القارة لدعم الاقتصاد الأوروبي، إذ تشير التقديرات إلى أن مواطني الاتحاد الأوروبي يحتفظون بنحو 11 تريليون يورو نقداً داخل حساباتهم المصرفية.

هل يغير كيفن وارش قواعد اللعبة داخل الفيدرالي الأمريكي؟ - موقع 24​أظهرت البيانات الصادرة الأسبوع الماضي تبايناً واضحاً؛ إذ يشير أحد المؤشرات إلى أن التضخم يتجاوز مستهدف مجلس الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، بينما يؤكد مؤشر آخر أنه أوشك على بلوغ هذا الهدف تماماً.

وترى الحكومات الأوروبية أن جزءاً كبيراً من هذه الأموال يمكن أن يتحول إلى قوة استثمارية هائلة إذا تم إنشاء سوق مالية أوروبية موحدة وأكثر مرونة، بما يعزز تمويل الشركات والتكنولوجيا والبنية التحتية والدفاع.

EU's big 6 pitch a rival to Wall Street – POLITICO

ومن المقرر أن يعرض وزراء مالية الدول الست اتفاقهم رسمياً خلال اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي "إيكوفين" في لوكسمبورغ يوم 12 يونيو(حزيران) المقبل، في محاولة لحشد دعم أوروبي واسع للمشروع.