رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي كيفين وارش (أ ف ب)
الأحد 31 مايو 2026 / 15:47
أظهرت البيانات الصادرة الأسبوع الماضي تبايناً واضحاً، إذ يشير أحد المؤشرات إلى أن التضخم يتجاوز مستهدف مجلس الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2%، بينما يؤكد مؤشر آخر أنه أوشك على بلوغ هذا الهدف تماماً.
وذكرت وزارة التجارة الأمريكية يوم الخميس الماضي أن مؤشر تضخم أسعار المستهلكين "الأساسي" - وهو معيار يحظى بمتابعة واسعة ويستثني أسعار الغذاء والطاقة المتقلبة- سجل 3.3% على أساس سنوي. وفي المقابل، أظهر مؤشر آخر أقل شهرة يُعرف باسم "مؤشر متوسط التضخم المعدّل لنفقات الاستهلاك الشخصي"، والذي يستبعد تحركات الأسعار الأكثر حدة - تضخماً بنسبة 2.3% فقط.
وفي الأوقات العادية، لا يحظى هذا الرقم الأكثر طمأنينة بوزن كبير في توقعات الفيدرالي والأسواق لاتجاهات أسعار الفائدة، لكن هذا الوضع يبدو في طريقه للتغيير.
ماذا يريد كيفين وارش؟
وكشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" أنه خلال جلسة اعتماده في أبريل(نيسان) الماضي، حث رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، كيفن وارش، البنك المركزي على إيلاء مزيد من الاهتمام لمؤشرات مثل "مؤشر متوسط التضخم المعدل" إلى جانب مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي.
ويكمن جوهر القضية في تحديد ما إذا كانت هذه المؤشرات البديلة تفلح حقاً في استبعاد تأثيرات الرسوم الجمركية، واستثمارات الذكاء الاصطناعي، والصدمات الجيوسياسية، لتقديم صورة أكثر دقة (وأكثر اعتدالاً في الوقت الحالي) للمسار الذي يتجه إليه التضخم الأساسي.
وقد ألمح وارش إلى انحيازه للاعتماد على مؤشر متوسط التضخم المعدل، حيث صرح للمشرعين قائلاً: "ما يهمني في المقام الأول هو معدل التضخم الأساسي الحقيقي، وليس التغير المؤقت في الأسعار الناتج عن تحولات جيوسياسية أو تقلبات في أسعار لحوم الأبقار".
ما الذي يركز عليه الفيدرالي عادة؟
وأوضحت الصحيفة أن مسؤولي الفيدرالي يمنحون اهتماماً أكبر لـ مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) الصادر عن وزارة التجارة، والذي يعتمده البنك المركزي لتحديد مستهدفه للتضخم، حيث يشمل هذا المؤشر نطاقاً أوسع من الإنفاق، ويأخذ في الحسبان كيفية تحول المستهلكين بين السلع والخدمات مع تغير الأسعار. وقد سجل مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الإجمالي 3.8% في أبريل (نيسان) الماضي.
وتظل الأسعار "الأساسية" هي الأكثر متابعة لأن تقلبات الغذاء والطاقة قد تحجب الاتجاه الحقيقي للتضخم. ووصف وارش هذا المعيار التقليدي بأنه "تقدير تقريبي" أو غير دقيق لأنه يبقي على الكثير من التشوهات المؤقتة الأخرى.
ويستعين مسؤولو الفيدرالي بالفعل بمجموعة من المؤشرات التي تستبعد القيم الشاذة، مثل الهبوط الحاد في أسعار الهواتف اللاسلكية أو القفزة المؤقتة الناتجة عن الرسوم الجمركية، لكن مؤشر "متوسط التضخم" يجعل عملية التصفية هذه أكثر منهجية.
ولم يحدد وارش أي نسخة من المؤشرات يفضلها، لكن النسخة الأكثر تداولاً هي الصادرة عن بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، والتي تستبعد شهرياً الفئات التي تشكل أكثر من نصف إنفاق المستهلكين.
واقعة سابقة
وأظهرت أبحاث فيدرالي دالاس أن مؤشر متوسط التضخم يمتلك قدرة أفضل من التضخم الأساسي على التنبؤ بنمو الأسعار المستقبلي عبر الفترات الطويلة. ومع ذلك، فقد أخفق هذا المؤشر في عام 2021، وهو الإخفاق الذي يلقي بظلاله على مدى جدواه اليوم.
وعندما بدأ التضخم في الارتفاع الحاد عقب جائحة كورونا عام 2021، اعتقد معظم صناع السياسات والمحللين في البداية أنه سيكون "مؤقتاً"، واستند بعضهم في ذلك إلى مؤشر متوسط التضخم الذي كان يظهر ارتفاعاً أبطأ بكثير للتضخم.
وتبين لاحقاً أن هذا التباين يعود جزئياً إلى طريقة تصميم المؤشر، ففي الفترة من 1977 إلى 2009، كانت وتيرة انخفاض الأسعار تميل إلى أن تكون أشد من وتيرة ارتفاعها. وبناءً عليه، فإن استبعاد الطرفين بالتساوي كان سيؤدي إلى انحراف تصاعدي في اتجاه التضخم. ولتجنب هذا الانحياز، صمم فيدرالي دالاس مؤشره ليتخلص من أكبر 31% من الزيادات السعرية في أي شهر، مقابل استبعاد أكبر 24% فقط من الانخفاضات.
ولكن هذا النمط التاريخي انقلب تماماً خلال الجائحة، حيث أصبحت زيادات الأسعار أكثر حدة من تراجعاتها. وبسبب استبعاد حصة أكبر من الزيادات، قلل مؤشر فيدرالي دالاس دون قصد من تقدير الاتجاه التصاعدي الفعلي للتضخم.
هل تتكرر ديناميكيات 2021 اليوم؟
من المبكر الحسم في ذلك. فالرسوم الجمركية دفعت بأسعار مجموعة واسعة من السلع نحو الارتفاع، كما يفعل الإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي الشيء نفسه في قطاعي البرمجيات والحوسبة.
وأوضح باحثو فيدرالي دالاس أن تضخم متوسط التضخم كان أقل بمقدار 0.7% عن مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي الأساسي في أبريل(نيسان) الماضي، ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى تخفيض الوزن النسبي للسلع (باستثناء الغذاء والطاقة)، وهي السلع الأكثر تأثراً بالرسوم الجمركية بشكل مباشر.
ويرى ريكاردو تريزي، الاقتصادي السابق في الفيدرالي ومدير إحدى شركات أبحاث التضخم، أن الدليل الأقوى على عدم تحسن التضخم يظهر عند النظر إلى التوزيع الكامل للأسعار، إذ لم يتوافق هذا التوزيع مع مستهدف الفيدرالي البالغ 2% منذ عام 2021، بل مال إلى الارتفاع في الأشهر الأخيرة.
وأوضح أن موقف وارش يحمل أهمية كبرى، لأن الأمر لا يتعلق بمجرد رقم إحصائي، بل بكيفية تعامل الفيدرالي مع صدمات الأسعار التي قد يستمر عصر الرسوم الجمركية والاضطرابات الجيوسياسية في إنتاجها.
ويطلق مسؤولو البنوك المركزية على هذا السلوك "التغاضي" عن تحرك الأسعار، أي اتخاذ قرار بأن ضغط الأسعار لا يستدعي رداً عبر السياسة النقدية بناءً على توقعات بتلاشيه تلقائياً.
ويعلق تريزي على ذلك بالقول: "السؤال المطروح هو ما إذا كان "التغاضي" سيتحول إلى إطار عمل مبني على مبادئ واضحة، أم سيصبح مجرد وسيلة للتقليل من أهمية قراءات التضخم المزعجة عند الحاجة".
وختم التقرير قائلاً: "إذا كانت هذه الصدمات عابرة بالفعل، فإن مؤشر متوسط التضخم يمنح الفيدرالي قراءة أكثر نقاءً للاتجاه العام، ويعطيه مبرراً أقل للنظر في تشديد السياسة النقدية. أما إذا كانت هذه المؤشرات تحجب ضغوطاً أوسع نطاقاً في الطلب، فإنها تقدم طمأنينة زائفة، قد تجعل الفيدرالي يتخلف عن مواكبة التقدم الاقتصادي مجدداً.