كانت العناية بالبشرة يوماً ما غسولاً بسيطاً وكريم مرطب، أما اليوم فقد تحولت إلى روتين من 10 خطوات تؤديه فتيات في سن المدرسة الابتدائية، بمنتجات مصممة أصلاً لمكافحة تجاعيد الأربعين.
ترك الصغيرات يواجهن منفردات معايير جمالية معقدة ومزيفة لا وجود لها في الواقع، يهدد بنشوء جيل مشوه نفسياً وجسدياً
تمدد الظاهرة وتدفق الأموال الرقمية
تستقطب منصات التواصل الاجتماعي آلاف المقاطع المرئية لطبيبات ومؤثرات ناشئات، لعل أبرزهن الطفلة البريطانية إيلي-ماي البالغة من العمر 13 عاماً، والتي تحولت من الهواية أثناء الحجر الصحي إلى ممارسة الاحتراف الرقمي برصيد يتجاوز 330 ألف متابع.
ابتكر أطباء الجلدية والباحثون مصطلحاً جديداً لوصف ما يجري: "كوسميتيكوريكسيا"، ويعرف بأنه هوس غير صحي بتحقيق بشرة "مثالية" منذ سن مبكرة، يدفع إلى استخدام منتجات تجميلية بشكل مفرط وقهري.
ويدر هذا النشاط العائلي عائداً مالياً يتخطى 50 ألف جنيه إسترليني سنوياً، مما يوضح تحول العناية بالبشرة من مجرد سلوك يومي إلى تجارة تدر أرباحاً وفيرة، وتدفع شركات التجميل الكبرى لاستهداف هذه الفئات العمرية الصغيرة بشكل مباشر أو مستتر.
وتتحرك الجهات التنظيمية دولياً لمواجهة هذا المد، إذ فتحت هيئة المنافسة الإيطالية (AGCM) تحقيقات موسعة مع مجموعات تجارية كبرى مثل "LVMH" المالكة لعلامة سيفورا، للتحقق من صياغة استراتيجيات تسويقية خفية تستهدف المراهقين.
كما تراقب هيئة معايير الإعلان البريطانية (ASA) هذه التطورات عن كثب، لتقييم مدى تغلغل المنتجات المضادة للشيخوخة بين صغيرات ينفقن في المتوسط 125 جنيهاً إسترلينياً لتأمين مستحضرات العناية بصفة دورية تكراراً لـ "صيحات" الإنترنت.

مخاطر طبية تهدد بشرة الأطفال
يؤكد اختصاصيو الأمراض الجلدية أن بشرة الأطفال تكون في أبهى صورها ونضارتها بشكل طبيعي وتلقائي، ولا تحتاج مطلقاً إلى أحماض أو مركبات كيميائية معقدة.
وفي تصريحها لشبكة "BBC"؛ تفيد الدكتورة جين آير، استشارية الجلدية في هيئة الخدمات الصحية البريطانية، بأن عياداتها تستقبل صغيرات في عمر الثامنة يعانين من حروق جلديّة حادة وإكزيما مزمنة نتيجة استخدام مادة "الريتينول" ومقشرات كيميائية قوية تؤدي إلى تدمير حاجز البشرة الطبيعي.
وأضافت: "تحتوي هذه المستحضرات على مواد نشطة مخصصة لعلاج تجاعيد البالغين، واستخدامها المبكر يسبب حساسية دائمة، بل ويرتبط بظهور حالات ثعلبة الجلد الأمامية التي تؤدي إلى تراجع خط الشعر لدى الفتيات بشكل مقلق".
وتتطابق هذه التحذيرات مع مخاوف أطباء علم النفس، حيث يوضح الأخصائي النفسي ألبيرتو ستيفانا أن الارتباط الشرطي بين المظهر وعدد الإعجابات الرقمية يورث الصغيرات اضطراب تشوه الجسم (BDD).
كما يدفع الخوف من الظهور دون زينة فتيات بعمر السابعة إلى الانعزال التام والامتناع عن الذهاب إلى المدرسة خوفاً من مواجهة الزملاء، نتيجة العيش في جلباب افتراضي صنعته فلاتر الذكاء الاصطناعي وتطبيقات التجميل الرقمية.
ويكشف هذا التحول المتسارع عن أزمة وعي مجتمعي أعمق من مجرد هوس عابر بمستحضرات التجميل، إذ يمثل تراجعاً حاداً في مفهوم الطفولة الطبيعية أمام ضغوط الرأسمالية الرقمية وخوارزميات التواصل الاجتماعي.
ويؤكد الخبراء أن ترك الصغيرات يواجهن منفردات معايير جمالية معقدة ومزيفة لا وجود لها في الواقع، يهدد بنشوء جيل مشوه نفسياً وجسدياً، يربط قيمته الإنسانية بمدى قدرته على تسليع مظهره ونيل الرضا الافتراضي، مما يحتم صياغة تشريعات دولية صارمة تمنع استغلال براءة الطفولة لأغراض تسويقية.