نشرت صحيفة "ذا إيكونوميست" البريطانية تحليلاً موسعاً يسلط الضوء على "تناقض عميق" في الاقتصاد الصيني، حيث تعيش طموحات الابتكار التكنولوجي جنباً إلى جنب مع الركود الاقتصادي.
وأوضحت الصحيفة أن بكين تراهن بقوة على التكنولوجيا المتقدمة كمحرك جديد للنمو، في محاولة لتعويض الخسائر الناجمة عن انهيار قطاع العقارات وأزمة ديون الحكومات المحلية، مشيرة إلى أن هذا الرهان عالي المخاطر يواجه تحديات كبرى تتمثل في ضعف الطلب الاستهلاكي، وحروب التجارة، وصعوبة دمج التكنولوجيا الحديثة في الاقتصادات المحلية التقليدية.
وبحسب "ذا إيكونوميست"، تتجسد هذه الازدواجية في مدن مثل يونغتان، حيث تتجاور الأسواق الشعبية القديمة مع مجمعات التكنولوجيا المتطورة، ويتوقع بنك "جولدمان ساكس" أن يضيف التصنيع المتقدم نحو 1% إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي حتى عام 2029، لكن في المقابل، سيستمر العبء الناتج عن انهيار قطاع العقارات -الذي قلص النمو بنسبة 2% في عامي 2024 و2025- لسنوات أخرى.
ولفتت الصحيفة إلى أن الاقتصاد الصيني تباطأ بشكل كبير، ولم يتعاف كلياً من تداعيات الجائحة، في حين انتهت موجة انكماش أسعار المنتجين في مارس (آذار) الماضي فقط بسبب صدمة نفطية ناجمة عن الحرب الأمريكية في إيران، والتي رفعت أسعار الطاقة المحلية.
رهان "شي" ونموذج النمو الجديد
وأشارت الصحيفة إلى أن الرئيس الصيني شي جين بينغ يراهن على أن نموذج النمو الجديد، القائم على الذكاء الاصطناعي والروبوتات وأشباه الموصلات، سيبدأ في إتيان ثماره قبل أن ينهار النموذج القديم المعتمد على البناء ومبيعات الأراضي.
وأوضحت "ذا إيكونوميست" أن النموذج القديم ترك الحكومات المحلية مثقلة بديون تصل إلى 60 تريليون يوان (نحو 43% من الناتج المحلي الإجمالي)، مما دفع هذه الحكومات الآن لتوجيه استثماراتها نحو قطاعات الابتكار.
وذكرت الصحيفة أن صندوقاً وطنياً لأشباه الموصلات جمع نحو 687 مليار يوان، كما أطلقت الدولة في ديسمبر (كانون الأول) صندوقاً استثمارياً وطنياً بقيمة 100 مليار يوان للاستثمار في الفضاء والتكنولوجيا الكمية، فيما تنشئ الحكومات المحلية "مناطق تكنولوجية" لجذب الشركات أملاً في زيادة الإيرادات الضريبية وسداد ديونها.
خسائر الشركات
ورغم نجاح بعض المدن الكبرى مثل بكين وشنتشن، حذرت "ذا إيكونوميست" من أن العديد من المحاولات المحلية تبوء بالفشل، وضربت الصحيفة مثالاً بمدينة ييتشون التي استثمرت 2.3 مليار يوان لبناء مصنع للسيارات الكهربائية، لكنه توقف عن الإنتاج لعزلته عن سلسلة الموردين، كما أشارت إلى مقاطعة قويتشو التي ضخت المليارات في مراكز البيانات دون أن تتمكن من دمجها في الصناعة المحلية.
ونقلت الصحيفة عن خبراء تأكيدهم أن سياسة المنافسة الشرسة أدت إلى انخفاض الأسعار، لكنها رفعت نسبة الشركات الصناعية التي تتكبد خسائر إلى مستوى قياسي بلغ نحو 32% في أبريل (نيسان) الماضي، لافتة إلى أن خبراء صندوق النقد الدولي قدروا أن السياسة الصناعية أدت إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 2%، أي ما يعادل خسارة نحو 400 مليار دولار من القيمة المضافة سنوياً.