يواجه رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الجديد كيفن وارش، اختباراً مبكراً وحاسماً لاستقلالية البنك المركزي، إذ تضع الارتفاعات الأخيرة في معدلات التضخم وارش أمام خيار اضطراري لرفع أسعار الفائدة، في خطوة تأتي على النقيض تماماً من تطلعات الرئيس دونالد ترامب، التي تهدف إلى خفض الفائدة منذ فترة رئاسة رئيس الفيدرالي السابق جيروم بأول.

وكان وارش، الذي تولى منصبه الشهر الماضي، قد حظي بدعم ترامب نظراً لطروحاته السابقة التي رأت هامشاً للمرونة في خفض الفائدة، ولكن المؤشرات الاقتصادية الأخيرة بدأت تفرض واقعاً مغايراً، قد يدفع رئيس الفيدرالي الجديد لاستخدام الأداة الأكثر صرامة لكبح جماح الأسعار.

التضخم يضرب بقوة 

ويرى خبراء ومسؤولون سابقون في الفيدرالي أن وارش قد يلجأ إلى مناورة ذكية في بيانه الأول لإرضاء "صقور التضخم" داخل اللجنة، دون الصدام المباشر والسريع مع ترامب.
وتتمثل هذه الخطوة في تعديل لغة البيان الرسمي للمجلس، من خلال حذف العبارات التقليدية، التي كانت تشير إلى أرجحية خفض الفائدة مستقبلاً؛ هذا التغيير الصامت في النص سيكون كفيلاً بإرسال إشارة قوية لأسواق المال، دون إعلان الحرب علانية على سياسات البيت الأبيض، بحسب صحيفة "واشنطن بوست".

وصرحت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند بيث هاماك، بأنه "قد يكون من المناسب قريباً التحرك" لمواجهة التضخم، وهو ما فُسِّر كإشارة لرفع الفائدة هذا الصيف، وتوافقت معها في ذات التوجه رئيسة فيدرالي دالاس لوري لوغان.

وحذر المحللون من أنه في حال رضوخ وارش للضغوط السياسية وخفض الفائدة في التوقيت الحالي، فإن أسواق السندات ستعاقب هذه الخطوة فوراً، إذ سيرفع المستثمرون أسعار الفائدة طويلة الأجل تحوطاً من التضخم المرتفع، مما سينعكس سلباً وبشكل عكسي على أسعار الرهن العقاري، ويفشل في تحقيق مستويات الانتعاش التي يطلبها ترامب.

اختبار حاسم 

وقال ديفيد ويلكوز، الخبير الاقتصادي في بلومبرغ إيكونوميكس ومعهد بيترسون للاقتصاد الدولي،: "سيكون الاختبار الحاسم لوارش في المراحل المبكرة هو ما إذا كان سيقوم بخفض الفائدة، الذي طلبه ترامب بشدة". 

وأضاف: "اعتماداً على كيفية تطور الظروف الاقتصادية، قد يجد وارش وزملائه أنفسهم في موقف صعب يضطرون فيه إلى تحدي ترامب بعدم تقديم تخفيضات في أسعار الفائدة، بل وربما رفعها".

ومن المؤكد تقريباً أن الفيدرالي سيبقي على أسعار الفائدة ثابتة في اجتماعه الأسبوع المقبل. لكن المستثمرين يتوقعون بشكل متزايد أن يتحرك البنك المركزي نحو رفع أسعار الفائدة قبل نهاية العام.

وقال فنسنت رينهارت، المسؤول السابق في الفيدرالي الذي أمضى سنوات في صياغة بيانات سياسة المجلس، إنه يعتقد أن وارش يمكنه إدارة المشهد السياسي دون الوصول إلى خطوة الرفع على الأقل في الوقت الحالي. 

ويقول مراقبو الفيدرالي المخضرمون إن ترامب يسيء فهم آلية عمل السياسة النقدية في الواقع؛ فالرئيس يميل إلى التفكير في أسعار الفائدة بالطريقة التي يفكر بها المطور العقاري، أي من جانب المقترض، وليس كأداة للاقتصاد الكلي، ولو قام وارش بخفض أسعار الفائدة الآن، فإن الأسعار طويلة الأجل التي يحددها السوق سترتفع على الأرجح في المقابل، حيث يطالب المستثمرون بعوائد أعلى تحسباً لارتفاع التضخم. 

وتظهر أعباء التضخم بوضوح في البيانات؛ حيث تراجعت معنويات المستهلكين إلى أدنى مستوى لها على الإطلاق، في حين تظل توقعات التضخم مرتفعة وتتحرك في الاتجاه الخاطئ.