تواصل الإمارات ترسيخ مكانتها كدولة رائدة في حماية الملكية الفكرية وحقوق البث والنشر في ظل التحول المتسارع نحو الاقتصاد الرقمي وتنامي أهمية المحتوى الإبداعي. وخلال العامين الماضيين، اتخذت سلسلة من الإجراءات النوعية لمواجهة القرصنة الرقمية والتعديات على المحتوى عبر المنصات الإلكترونية والقنوات الفضائية والشبكات العابرة للحدود، في إطار رؤية تستهدف حماية المبدعين وتعزيز بيئة الابتكار والاستثمار في الصناعات الثقافية والإعلامية.

في 20 يونيو (حزيران) الجاري، أعلنت شرطة دبي ضبط تشكيل عصابي عمد إلى قرصنة قنوات فضائية عالمية مشفرة وإعادة بثها عبر أجهزة استقبال وروابط إلكترونية ومواقع غير مرخصة، ثم بيعها للجمهور من خلال اشتراكات سنوية مخالفة للقانون، مستغلين منصات إلكترونية وشبكات رقمية غير مشروعة لتحقيق مكاسب مالية غير قانونية.

وتشكل الممارسات السابقة انتهاكاً صريحاً لأحكام القانون الاتحادي رقم (38) لسنة 2021 بشأن حقوق المؤلف والحقوق المجاورة. غير أن أهمية القضية لا تكمن فقط في ضبط الجناة، وإنما في كشف جانب من معركة أوسع تخوضها الإمارات لحماية الملكية الفكرية في البيئة الرقمية، وهي معركة بات الذكاء الاصطناعي أحد أهم أسلحتها.. فما هي استراتيجية الدولة في هذا المجال؟

الملكية الفكرية.. ركيزة في اقتصاد المعرفة

تتعامل الإمارات مع حماية الملكية الفكرية باعتبارها قضية اقتصادية وتنموية وليست مجرد ملف قانوني، ضمن رؤية "نحن الإمارات 2031"، لترسيخ مكانتها كمركز عالمي للاقتصاد الجديد والابتكار، وتعزيز حضورها بين أفضل الدول عالمياً في مؤشرات الابتكار والتنافسية.

ولهذا الغرض، طورت الدولة منظومة تشريعية متكاملة تضم قوانين حماية الملكية الصناعية، والعلامات التجارية، وحقوق المؤلف والحقوق المجاورة، بما يوفر بيئة قانونية متقدمة لحماية المبتكرين والمبدعين وأصحاب الحقوق.

وتعكس المؤشرات الرسمية حجم النمو الذي يشهده هذا القطاع، إذ سجلت وزارة الاقتصاد خلال عام 2023 زيادة بنسبة 9.6% في طلبات تسجيل العلامات التجارية، وكذلك استقبلت 3415 طلباً لتسجيل براءات الاختراع بزيادة بلغت 19.5%، مقارنة بالعام السابق.

وشهد القطاع طفرة تاريخية جديدة، إذ بلغ عدد طلبات براءات الاختراع المقدمة 4315 طلباً خلال عام 2025، محققاً نمواً بنسبة 19.9% مقارنة بعام 2024 الذي سجل 3598 طلباً، وذلك بحسب إحصائيات وزارة الاقتصاد والسياحة. 

 
 
 
 
 
View this post on Instagram
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

A post shared by 24.ae (@20fourmedia)

الذكاء الاصطناعي يدخل خط المواجهة

مع توسع القرصنة الرقمية عالمياً، أدركت الإمارات أن الوسائل التقليدية لم تعد كافية لملاحقة آلاف المواقع والمنصات التي تنشر محتوى مقرصناً أو تنتهك حقوق البث، ومن هنا جاء الاعتماد على الذكاء الاصطناعي كأداة رئيسية في الرصد والكشف والاستجابة السريعة.

ويأتي ذلك في إطار "الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031"، التي تستهدف تحويل الإمارات إلى مركز عالمي للذكاء الاصطناعي، والوصول إلى الاعتماد الكامل على التقنيات الذكية في الخدمات وتحليل البيانات خلال الخمس سنوات القادمة، لاسيما أنها أول دولة في العالم تُعين "وزير دولة للذكاء الاصطناعي عام 2017".

"إنستا بلوك".. قوة ذكية فورية تحمي الملكية الفكرية

في إطار المواجهة الذكية، افتتحت وزارة الاقتصاد والسياحة في فبراير (شباط) العام الماضي، مختبر إنستا بلوك (INSTABLOCK) في مدينة دبي للإعلام ليكون مركزاً متخصصاً وفريداً في مكافحة القرصنة الرقمية باستخدام أحدث تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

ويمثل المختبر نقلة نوعية في آليات حماية المحتوى الرقمي، إذ يوفر خاصية "الحجب الفوري" للمواقع المخالفة، إضافة إلى ميزة الرصد الآني لانتهاكات البث المباشر عبر الإنترنت (Live Ban)، بما يسمح بالتعامل مع الانتهاكات أثناء وقوعها وليس بعد انتشارها.

تُظهر النتائج حجم التحول الذي أحدثته أدوات الذكاء الاصطناعي في مجال مكافحة القرصنة، فبعد إطلاق مركز "إنستا بلوك" تسارعت وتيرة الرصد والحجب بشكل غير مسبوق لتصل إلى 13667 موقعاً إلكترونياً مخالفاً خلال الربع الأول من 2026 فقط، بزيادة تقترب من 400% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.

فيما بلغ عدد المواقع الإلكترونية التي تم حجبها بالتعاون مع هيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية خلال عام 2024 نحو 4557 موقعاً مخالفاً، مقارنة بـ1123 موقعاً فقط في عام 2023.

أما إجمالي المواقع التي تم حجبها منذ إطلاق المركز فقد بلغ 47667 موقعاً إلكترونياً مخالفاً، ما يعكس قدرة الأنظمة الذكية على التعامل مع حجم هائل من الانتهاكات الرقمية التي يصعب رصدها بالوسائل التقليدية.

جاء "إنستا بلوك" ضمن منظومة حكومية جديدة كلياً للملكية الفكرية لرصد المحتوى المخالف في الزمن الحقيقي وتوفير مناخ تنافسي وبيئة ملائمة للمخترعين والمبدعين، شملت أيضاً: 
صائد الاحتيال الرقمي: نظام أطلقته هيئة تنظيم الاتصالات والحكومة الرقمية، معتمداً على الذكاء الاصطناعي لتحليل الصور ولقطات الشاشة والكشف المبكر عن الأنشطة الاحتيالية، وتقليل معدل الاحتيال في الفضاء الرقمي.

مبادرة "IP PLATFORM": منصة رقمية حكومية موحدة، لربط البيانات الخاصة بالدوائر الحكومية العاملة على إنفاذ حقوق الملكية الفكرية، وذلك اعتماداً على أحدث التقنيات المتقدمة.

مبادرة IP SPORT: لدعم زيادة عدد العلامات المسجلة في القطاع الرياضي بالدولة، والتوعية بحقوق الملكية الفكرية في الرياضة.

مبادرة IP SCHOOL: لإنشاء حقيبة موحدة للبرامج التدريبية الخاصة بالملكية الفكرية، واعتمادها من المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو)، وتصميم برامج تدريبية مناسبة لطلبة المدارس.

شخصية "عائشة": شخصية افتراضية دورها الأساسي تعزيز التوعية بحقوق الملكية الفكرية، والتفاعل مع الجمهور والرد على استفساراتهم.

مبادرة Patent Hive: لرفع نسبة منح براءات الاختراع وتشجيع المبتكرين وأصحاب المواهب على التقدم للحصول على براءات الاختراع داخل الدولة.

حاضنات الابتكار "INNOVATION HUB": منصة رقمية حاضنة لدعم المبتكرين الإماراتيين، وتقديم الاستشارات الفنية والدعم فيما يتعلق بتسجيل براءات الاختراع.

مبادرة InnovLAB: لتعزيز قدرات حاضنات الابتكار ودعم تنافسيتها، وتقييم كفاءة حاضنات الابتكار في المؤسسات الاتحادية المحلية والتعليمية.

مبادرة حيَّاكم: لتعزيز جاذبية الدولة للشركات العالمية، وزيادة نسب استقطاب العلامات التجارية.