بعد انحسار غبار الحروب التجارية التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبدأت أسعار الوقود في الانخفاض أخيرا، يطلُ التضخم بمحفزِ جديد على صهوة التوسع الهائل للذكاء الاصطناعي. في أمريكا، هذه الموجة يدفع أسعار كل شيء للارتفاع، بدءاً من الهواتف الذكية ووصولاً إلى الكهرباء.
وتقدّر صحيفة "وول ستريت جورنال" بأن الأموال التي تُضخ في سباق تسلح الذكاء الاصطناعي غير مسبوقة. إذ يضع المحللون الإنفاق الرأسمالي لخمس شركات من مقدمي خدمات الحوسبة السحابية الضخمة بقرابة 741 مليار دولار في 2026 بارتفاع 75% عن العام السابق. وتضم هذه العمالقة " ألفابيت (Alphabet)، وأمازون (Amazon)، وميتا بلاتفورمس (Meta Platforms)، وميكروسوفت (Microsoft)، وأوراكل (Oracle).
انفاق ضخم
ويقول ستاين فان نيوويربرغ، الخبير الاقتصادي بجامعة كولومبيا، إن الإنفاق على توسيع الذكاء الاصطناعي حتى 2032 قد يصل إلى 8 تريليونات دولار، ما يعادل خمسة أضعاف القيمة السوقية لسوق العقارات في مدينة نيويورك بأكمله، مشيراً إلى أن مراكز البيانات المستخدمة للذكاء الاصطناعي تتطلب معدات حوسبة متطورة، وأنظمة تبريد لمنع ارتفاع حرارة تلك المعدات، وكابلات كهربائية وألياف ضوئية، ومولدات احتياطية لمنع انقطاع الطاقة.
ومع هذا الطلب الهائل، تشهد أسعار العديد من المستلزمات الداخلة في بنية الذكاء الاصطناعي ارتفاعاً ملحوظاً. ولأن هذه المستلزمات تُستخدم في مجالات أخرى تتجاوز الذكاء الاصطناعي، فإن هذه الارتفاعات السعرية تمتد لتلقي بظلالها على الاقتصاد الأوسع.
وعلى سبيل المثال، تُستخدم رقائق الذاكرة والتخزين في مجموعة واسعة من المنتجات الإلكترونية الاستهلاكية التي تشمل كل شيء من أجهزة ألعاب الفيديو إلى السيارات. وقد رفعت شركات نينتندو (Nintendo)، وميكروسوفت، وسوني (Sony) أسعار أجهزتها بالفعل. كما أن الأسعار المرتفعة ستطال منتجات أبل (Apple) أيضاً، وفقاً للرئيس التنفيذي "تيم كوك"، الذي صرح لصحيفة "وال ستريت جورنال" بأن القفزة في التكاليف لم يشهد لها مثيلاً "في أي مجال على مدار أكثر من 40 عاماً".
وإذا كان الذكاء الاصطناعي ثورياً بالقدر الذي يتوقعه العديد من خبراء الاقتصاد، يؤدي في نهاية المطاف إلى تهدئة التضخم. هذا هو الدرس المستفاد من الثورات التكنولوجية السابقة، التي عززت إنتاجية العمال، ما سهل على الشركات تلبية الطلب دون رفع الأسعار. وساق "كيفين وارش"، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الحالي، هذه الحجة سابقاً.
وكتب في الصحيفة في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي: "سيكون الذكاء الاصطناعي قوة رئيسية كابحة للتضخم، إذ سيعمل على زيادة الإنتاجية وتعزيز التنافسية الأمريكية". وستكون قراءة "وارش" لتأثير طفرة الذكاء الاصطناعي على التضخم بمثابة أول اختبار رئيسي لقيادته للبنك المركزي الفيدرالي.
ارتفاع التضخم على المدى القصير
ويتوقع اقتصاديون في بنك "يو بي إس" أن يمر عامان على الأقل قبل أن يبدأ الذكاء الاصطناعي في المساعدة على خفض التضخم، أما على المدى القصير، فإن الطلب المدفوع بالذكاء الاصطناعي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار. ففي استطلاع - أجرته "الجمعية الوطنية لاقتصاديات الأعمال" لآراء الاقتصاديين وصدر يوم الاثنين الماضي - قال 81% من المشاركين إن التوسع في الذكاء الاصطناعي سيزيد من التضخم خلال العام المقبل.
وفي هذا السياق، قال "غريغوري داكو"، رئيس الخبراء الاقتصاديين في "إي واي- بارثينون" ورئيس الجمعية: "في المرحلة الأولى من أي ثورة تكنولوجية كبرى، يميل الأمر إلى تشكيل ضغط على الموارد المحدودة، ما يؤدي عادة إلى ضغط تصاعدي على الأسعار".
وبالفعل، بدأ هذا يظهر في بيانات التضخم؛ فقد ارتفعت أسعار المستهلكين لبرمجيات وملحقات الكمبيوتر بنحو 15% مقارنة بالعام السابق في شهر مايو، وفقاً لوزارة العمل. وتكون هناك زيادات أخرى في الأسعار قيد الانتظار، إذ ارتفع مقياس وزارة العمل للمكونات والملحقات الإلكترونية بالجملة 27% مقارنة بالعام السابق.
ويرى الخبراء الاستراتيجيون في "إيفركور آي إس آي" (Evercore ISI)، أن تأثير التوسع في الذكاء الاصطناعي على الأسعار يختلف جوهرياً عن الرسوم الجمركية التي فُرضت العام الماضي أو قفزة أسعار الوقود هذا العام. فالرسوم والنفط يمثلان صدمات عابرة تترجم مؤقتاً إلى زيادات في الأسعار، بينما يمثل الذكاء الاصطناعي صدمة في الطلب قد تستمر لسنوات.
والواقع أن جزءاً كبيراً من صدمة الطلب هذه لم يصل بعد؛ إذ أشارت ليسا كوك، العضو في مجلس المحافظين للاحتياطي الفيدرالي، في خطاب ألقته الشهر الماضي إلى "أن جزءاً صغيراً فقط من الإنفاق المعلن على مراكز البيانات قد نُفذ بالفعل. كما أن الأموال التي تتوقع شركتا "أوبن إيه آي" (OpenAI) و"أنثروبيك" (Anthropic) جمعها في الطروحات العامة الأولية المقبلة قد توفر المزيد من الوقود للتوسع في الذكاء الاصطناعي".
ولا تقتصر مراكز البيانات على الرقائق فحسب؛ ومثل الرقائق، فإن الكثير من الأشياء الأخرى الداخلة في بناء وتشغيل مراكز البيانات تُستخدم على نطاق واسع في قطاعات الاقتصاد المختلفة. ويؤدي ذلك إلى زيادة التكاليف على مجموعة متنوعة من الشركات، والتي تحاول بعد ذلك تعويض تلك التكاليف عن طريق فرض أسعار أعلى على المستهلكين.
وفي بعض الحالات، يؤدي التوسع في الذكاء الاصطناعي أيضاً إلى زيادة تكاليف العمالة. إذ شهدت أجور العمال المطلوبين لبناء مراكز البيانات ارتفاعاً؛ فارتفع متوسط الأجر بالساعة لمقاولي التركيبات الكهربائية وتمديد الأسلاك 6.5% في أبريل مقارنة بالعام السابق، مقابل 3.6% لجميع عاملي القطاع الخاص.
ومع دخول مراكز بيانات جديدة الخدمة، يزداد الطلب على الكهرباء. وفي وقت سابق من هذا العام، توقع اقتصاديون في "غولدمان ساكس" أن تمثل مراكز البيانات نحو نصف نمو الطلب على الطاقة في الولايات المتحدة حتى 2030. ونتيجة لذلك، توقعوا ارتفاع أسعار الكهرباء للمستهلكين بنحو 6% سنوياً هذا العام والمقبل.
ومع ذلك، لا يتوقع الاقتصاديون أن يتسبب التوسع في الذكاء الاصطناعي في حدوث طفرة تضخمية تشبه التي شهدتها الولايات المتحدة عند إعادة فتح الاقتصاد بعد أزمة كوفيد-19. فسلع مثل الهواتف الذكية وألعاب الفيديو لا تمثل سوى جزء ضئيل مما ينفقه الأفراد سنوياً، وحتى الكهرباء لا تشكل سوى نحو 2.5% من إنفاق المستهلكين، وفقاً لوزارة العمل.
وبدلاً من ذلك، يعمل هذا التوسع على إبقاء التضخم مرتفعاً بشكل عام؛ إذ يتوقع الاقتصاديون أن تظهر قراءة شهر مايو (آيار) للمقياس المفضل لدى الفيدرالي للتضخم، والمقرر صدورها عن وزارة التجارة اليوم الخميس، أن الأسعار كانت أعلى 4.1% مقارنة بالعام السابق. ويهدف البنك المركزي إلى خفض التضخم إلى 2%، وهو مستوى لم يشهده الاقتصاد منذ أكثر من خمس سنوات، في ظل تضافر سلسلة من العوامل التي بدت مؤقتة ودفعت الأسعار للارتفاع.