يدخل قطاع السياحة العالمي حقبة جديدة تسيطر عليها حلول الذكاء الاصطناعي والابتكارات الرقمية، حيث يتشكّل حالياً مفهوم "السفر الواعي"؛ وهو التوجه الذي تتبناه دولة الإمارات بشكل استراتيجي لإعادة صياغة علاقة السائح بالوجهة التي يزورها، ليتحوّل المسافر من مجرد مستهلك إلى ضيف مساهم يدعم المجتمعات المحلية، مستعيناً بالتكنولوجيا الرقمية.
الإمارات.. منظومة تقنية متكاملة من الحجز إلى المغادرة
يمثل صعود دولة الإمارات إلى صدارة المشهد السياحي العالمي نموذجاً ملهماً لكيفية تحويل القطاع إلى محرك اقتصادي مستدام، وذلك بفضل استثمارات ضخمة في شبكات الألياف الضوئية وتغطية الجيل الخامس (5G)، ما جعلها بيئة خصبة للابتكار.
كما يمثل التحول الرقمي ركيزة أساسية ضمن "الاستراتيجية الوطنية للسياحة 2031"، والتي انعكست بوضوح في مبادرات وطنية مثل حملة "أجمل شتاء في العالم" تحت شعار "شتاؤنا ريادي".
وترافق التكنولوجيا المتقدمة السائح في الإمارات منذ اللحظة الأولى لفتح هاتفه:
- التخصيص والذكاء الاصطناعي التوليدي: تعتمد المنصات الرسمية (مثل Visit Dubai و Visit Abu Dhabi) على أدوات ذكية لتخصيص الجداول والمسارات السياحية فورياً، وسط توجه الأجيال الشابة (مثل الجيل Z بنسبة اعتماد 77%) إلى "سؤال" برامج الذكاء الاصطناعي مباشرة بدلاً من تصفح محركات البحث التقليدية.
- المطارات اللاتلامسية: يقود قطاع الطيران في دبي منظومة "الطيران 2.0"، حيث تتميز الإمارة عالمياً في تطبيق الأنظمة البيومترية لتوفير رحلة خالية تماماً من المعاملات الورقية والانتظار، بجانب مبادرة "السفر الذكي" في مطار زايد الدولي بأبوظبي والتي قلصت وقت إنهاء الإجراءات بنسبة 70%.
- تمكين الشركات المحلية الصغيرة: تتعاون دائرة الاقتصاد والسياحة بدبي مع Mastercard لبناء نظام رقمي يوفر للمشروعات الناشئة والصغيرة والمتوسطة أدوات الدفع الرقمي والتدريب لضمان استدامتها ومنافستها في السوق.
وفي الوقت ذاته، تستعين الفنادق والوجهات الترفيهية في الإمارات بأنظمة البيانات السحابية وروبوتات المحادثة (التي تتبناها 40% من منشآت الضيافة لتقديم دعم على مدار الساعة). كما تقدم الغرف الذكية خدمات تعتمد على التحكم الصوتي والمفاتيح الرقمية.
أما في الجانب الترفيهي، دُمجت تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز (AR/VR) في المدن الترفيهية، إلى جانب التوسع في قطاع الرياضات الإلكترونية (eSports) وصناعة الألعاب الجاذبة للسياح المهتمين بالتقنية.
تحولات سلوكية ومعطيات سوقية
كشف تقرير الضيافة والسفر الصادر عن مؤسسة Adyen الدولية لعام 2025 عن إحصاءات جوهرية تعكس تغير سلوك المسافرين داخل دولة الإمارات:
- 68% من المسافرين في الإمارات يثقون في الذكاء الاصطناعي للتخطيط والعطلات (بزيادة 57% عن العام السابق).
- 85% أفادوا بأن الذكاء الاصطناعي ساعدهم في العثور على أفكار أسرع وخفف من تشتت الإعلانات والمحتوى الممول على وسائل التواصل الاجتماعي.
- 81% يعتمدون على الذكاء الاصطناعي لحل المشكلات الطارئة أثناء الرحلة وسط ثقة عالية بدقة المعلومات بلغت 80%.

تقنيات ذكية تعيد توزيع الثروة السياحية
تتعدّد الأدوات الرقمية العالمية التي باتت تلعب دوراً وسيطاً في إعادة التوازن المالي لصالح الوجهات المحلية، ومن أبرزها:
- تقنيات استشعار الزحام: تواجه المدن الكبرى (مثل أمستردام التي سجلت 22.9 مليون ليلة مبيت في عام واحد) ضغوطاً هائلة على بنيتها التحتية بسبب تكدس السياح في بقع محددة. وتعمل تطبيقات مثل Crowdless و Hi-Lo على تحليل بيانات الأقمار الصناعية لتنبؤ بمستويات الازدحام، وتوجيه السياح إلى مناطق بديلة وغير مكتشفة لتنشيط الحركة التجارية فيها.
- منصات الحجز العادل: تبرز منصات مثل Fairbnb.coop كبدائل للمواقع التقليدية التي تسبّبت في رفع أسعار الإيجارات على السكان المحليين؛ حيث تستثمر هذه المنصة نصف عمولتها في مشاريع اجتماعية كالمراكز المجتمعية والحدائق العامة، بينما تمنح منصة Kind Traveler خصومات للمسافرين مقابل التبرع للجمعيات الخيرية المحلية.
- التوائم الرقمية: تعتمد بعض المدن على نسخ رقمية تفاعلية تحلل حركة المشاة اللحظية وتدفع الزوار عبر تطبيقات ذكية لاستكشاف أحياء نابضة بالحياة خارج "المربع الذهبي" التقليدي، مما ينعش الشركات المحلية الصغيرة.
- أدوات تتبع الأثر ومكافحة "التسرب السياحي": تساهم تطبيقات مثل Pawprint وCapture في قياس البصمة الكربونية وخيارات الإنفاق، لمساعدة المسافرين على معرفة ما إذا كانت أموالهم تذهب لسلاسل عالمية أم لحرفيين محليين، وهو ما يحد من ظاهرة "التسرب السياحي" التي تخرج بموجبها الأموال من اقتصاد المدينة فوراً عبر منصات الحجز العالمية.