في وقت تواجه فيه اقتصادات العالم تحديات في تنويع مصادر الدخل وتراجعاً في معدلات الاستقرار المالي، تواصل دولة الإمارات ريادتها الدولية في تأسيس نموذج استثماري فريد يحول الفنون والثقافة إلى محرك اقتصادي مستدام.
ويتجسد هذا الزخم الاستثماري في سلسلة مبادرات حكومية وأرقام قياسية حققها قطاع الملكية الفكرية، وهو ما تعكسه المؤشرات التالية:
- الدعم الحكومي المباشر: إطلاق وزارة الثقافة "البرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع" لتوفير حلول تمويلية ومحفزات نوعية تدعم المواهب.
- 402 ألفاً و311 علامة تجارية: الحجم الإجمالي للعلامات الوطنية والدولية المسجلة في الدولة حتى نهاية سبتمبر (أيلول) 2025.
- 33.23% نمواً في المصنفات الفكرية: قفزة نوعية سجلتها مؤشرات القطاع خلال الأشهر الخمسة الأولى من العام.
- 19.43% زيادة في براءات الاختراع: معدل الارتفاع القياسي في طلبات براءات الاختراع ونماذج المنفعة خلال الفترة ذاتها.
- 70% قفزة في الرسوم والنماذج الصناعية: نمو استثنائي يعزز حماية المصنفات الإبداعية ويوفر بيئة جاذبة لرواد الأعمال والمبتكرين مستقبلاً.
مشروع "دار الفنون أبوظبي"
تمتد هذه البيئة الإبداعية لتوسيع البنية التحتية الثقافية بإطلاق مشروع "دار الفنون أبوظبي" في جزيرة السعديات، كأحد أكبر الصروح الموسيقية والفنية في المنطقة، والذي شهد إطلاقه الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي.

ويؤكد محمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة، أن الدار تمثل استثماراً استراتيجياً يقدم برنامجاً ثقافياً متواصلاً على مدار 365 يوماً بالتعاون مع مؤسسات دولية، ومن المقرر افتتاحها رسمياً عام 2030 لتشكل مقراً دائماً للأوبرا والباليه والمسرح.
وتنعكس أصداء هذا الصرح على لسان صناع الفن، إذ يؤكد الفنان حسين الجسمي في تدوينته عبر منصة "إكس" أن دار الفنون تجسد رؤية تؤمن بالثقافة ركيزة أساسية للتنمية وبناء الإنسان، وتفتح الأبواب أمام مستقبل أكثر إشراقاً للإبداع الإماراتي والعربي.
تصميم أيقوني
يتميز الصرح بتصميم أيقوني من إبداع المعماري العالمي الراحل فرانك جيري، وتستلهم واجهته الانسيابية حركة الأقمشة التي تنساب فوق قلب المشروع، بينما تتيح الواجهات الشفافة للجمهور مشاهدة العملية الإبداعية من الخارج.

وتضم الدار مرافق وتجهيزات متطورة تتجاوز طاقتها الاستيعابية الإجمالية أكثر من 6000 شخص، تتوزع على النحو الآتي:
- قاعة عرض متعددة الأغراض: تتسع لأكثر من 2000 مقعد لاستضافة الإنتاجات الكبرى.
- مدرج مفتوح: يتسع لـ 3500 مقعد للعروض الحية في الهواء الطلق.
- استوديو مسرحي: يتسع لـ 400 مقعد للعروض التجريبية والمحدودة.
- ناد لموسيقى الجاز: يتسع لـ 250 مقعداً لدعم الأنماط الموسيقية المتنوعة.
صروح جزيرة السعديات
يرتبط هذا المشروع جغرافياً بخرائط التطوير العمراني في جزيرة السعديات، لينضم إلى جوار "متحف اللوفر أبوظبي" وشبكة الصروح البارزة التي تشمل متاحف "زايد الوطني"، و"التاريخ الطبيعي"، و"تيم لاب فينومينا"، بالإضافة إلى "متحف جوجنهايم أبوظبي" المرتقب افتتاحه عام 2026 ليصبح الأكبر عالمياً في شبكته.
ويحمل جوجنهايم أيضاً توقيع المعماري فرانك جيري بتصميم مستوحى من أبراج الرياح التقليدية على مساحة 80 ألف متر مربع، ويركز محتواه على تقديم الفن الحديث والمعاصر منذ ستينيات القرن الماضي، مع اهتمام خاص بفنون غرب آسيا وأفريقيا والمنطقة العربية مستقبلاً.

دبي تتصدر النمو الإقليمي للاقتصاد الإبداعي
ويتسع النطاق الاستثماري لهذه المشاريع ليتكامل مع استراتيجيات التنمية الشاملة في باقي إمارات الدولة، حيث تتبنى دبي استراتيجية طموحة لتطوير قطاع الصناعات الثقافية والإبداعية؛ إذ يبلغ حجم الاقتصاد الإبداعي لدولة الإمارات 13.7 مليار دولار بحسب آخر البيانات الصادرة عام 2024، ما يضع الدولة في صدارة منطقة الشرق المتوسط وشمال أفريقيا.
كما تستهدف الدولة زيادة مساهمة هذا القطاع ليصل إلى 5% من إجمالي الناتج المحلي بحلول عام 2031، بموجب "الاستراتيجية الوطنية للصناعات الثقافية والإبداعية" المطلقة عام 2021. وفي إطار الدعم المالي المباشر لهذا المستهدف، أعلنت الشيخة لطيفة بنت محمد بن راشد آل مكتوم، رئيسة هيئة الثقافة والفنون في دبي، عن إطلاق "برنامج منحة دبي الثقافية" بقيمة تفوق 180 مليون درهم، لتقديم دعم نوعي ومستدام للمبدعين والرواد.
وتسهم الصناعات الإبداعية بشكل مباشر في المنظومة الاقتصادية المحلية لإمارة دبي من خلال:
- المساهمة في الناتج المحلي: ضخ 21.9 مليار درهم (6 مليارات دولار) في الناتج المحلي الإجمالي، ما يمثل 4.6% من إجمالي اقتصاد دبي.
- فرص العمل المستحدثة: توظيف أكثر من 175 ألف فرد، مع تصدر قطاعات التصميم والخدمات الإبداعية لمعدلات التشغيل.
- الشركات العاملة: تسجيل أكثر من 11 ألف شركة إبداعية نشطة وفقاً لبيانات "دبي للثقافة"، مع هيمنة المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر على المشهد.

الذكاء الاصطناعي يدعم الثقافة
وينعكس هذا التدفق الاستثماري في دبي على تسريع تبني الذكاء الاصطناعي التوليدي في صناعة المحتوى، بجانب ابتكارات الإعلان الرقمي، والتقنيات القابلة للارتداء، والأزياء الذكية. كما يمتد التوسع ليشمل الطباعة ثلاثية الأبعاد في البناء، والتعليم الترفيهي، وغيرها، لتشكل هذه المنظومة رافداً يضمن تنوع مصادر الدخل وتحقيق الاستدامة الاقتصادية مستقبلاً.