مع عودة ظاهرة "إل نينيو" من جديد، يواجه الاقتصاد العالمي اختباراً جديداً لسلاسل الإمداد والأسعار والتضخم، إذ يمتد تأثير ارتفاع حرارة مياه المحيط الهادئ إلى الغذاء، من حقول الأرز في آسيا، مروراً بمزارع القمح في أستراليا، وأسواق السكر، انتهاءً بفواتير الغذاء في الدول المستوردة.
وتحذر المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، التابعة للأمم المتحدة، من العودة الوشيكة لـ"إل نينيو"، مع احتمال ظهورها قبل نهاية الصيف الحالي، وسط حالة من عدم اليقين بشأن تحديد قوتها الفعلية.
وتفيد صحيفة "ذا غارديان" البريطانية، بأن التحذير الأممي يأتي في وقت يواجه فيه العالم بالفعل درجات حرارة قياسية، وأسعار طاقة وأسمدة مرتفعة، وضغوطاً على التمويل الإنساني في دول هشة.
وعلى الرغم من تلك التحذيرات، إلا أن الصورة ليست قاتمة بشكل كامل، لأن العالم يدخل موسم الخطر المناخي بسلاح "المخزونات الكبيرة" من القمح والأرز والذرة وفول الصويا، ما يمنح الأسواق قدراً من الحماية في مواجهة صدمة الإنتاج الأولى، بالإضافة إلى تقليل موجات الذعر التي رافقت أزمات غذائية عالمية سابقة.
لذلك، لا تبدو الإشكالية في ضغط إل نينيو على الغذاء العالمي فقط، ولكن في قدرة الأسواق والحكومات على امتصاص ذلك الضغط دون تحويل القلق إلى أزمة.
مخازن ممتلئة أمام طقس مضطرب
وفقاً للأرقام التي نقلتها وكالة "رويترز" للأنباء، عن وزارة الزراعة الأمريكية، فمن المتوقع أن تبلغ مخزونات القمح العالمية 279.95 مليون طن في بداية المحصول في يوليو (تموز)، وهو أعلى مستوى في 5 سنوات، بينما وصلت احتياطيات الأرز المطحون عالمياً إلى مستوى قياسي عند 196.16 مليون طن في بداية 2026.
وبحسب البيانات، فإن الأمر لا يقتصر على القمح والأرز، فمخزونات الذرة العالمية مرشحة للوصول إلى 303.4 مليون طن بحلول سبتمبر (أيلول)، وهو أعلى مستوى خلال 3 سنوات، بينما تقترب مخزونات فول الصويا من مستويات قياسية عند 125.5 مليون طن، هي أرقام من شأنها أن تمنح المشترين والمطاحن والحكومات وقتاً إضافياً للتحرك في مواجهة ظاهرة إل نينيو، والتي كانت قادرة على إشعال الأسعار سريعاً.
وعلى الرغم من الأرقام المطمئنة إلا أنها لا تعطي حصانة كاملة في مواجهة الظاهرة، لان الأسعار من شأنها أن تهدئ الأسعار على المدى القصير، ولكنها لا تستطيع وحدها تعويض موسم زراعي ضعيف في أكثر من منطقة رئيسية.

الأسعار هادئة ظاهرياً
تظهر بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة أن أسواق الغذاء ليست في حالة انفجار سعري حتى الآن، إذ بلغ مؤشر أسعار الغذاء العالمي 130.8 نقطة في مايو (أيار)، منخفضاً 0.2% عن أبريل، لكنه ظل أعلى 2.9% من مستواه قبل عام، وقريباً من أعلى مستوى منذ يناير 2023.
لكن التفاصيل داخل المؤشر تكشف توتراً لا يظهر في الرقم العام وحده، لأن أسعار الحبوب ارتفعت بأكثر من 2.6% خلال الشهر، كما قفزت أسعار السكر 7.5%، بينما تراجعت أسعار الزيوت النباتية 4.6%، ما يعني أن سوق الغذاء لا تتحرك ككتلة واحدة، بل تتباين بحسب السلعة ومصدر الخطر.
آسيا في جبهة الخطر
وتشير وكالة "رويترز" إلى أن قارة آسيا تبدو الوجهة الأولى لاختبار "إل نينيو"، لأن الطقس الحار والجف بدأ في إلحاق الضرر بالمحاصيل في العديد من المناطق، بدءاً من السهول المنتجة للحبوب في الهند، مروراً بحقول الأرز في جنوب شرق آسيا، وصولاً إلى مناطق زراعة القمح في أستراليا.
وتوضح رويترز إلى أن أسعار القمح ارتفعت بنحو 20% منذ بداية العالم الجاري، كما ارتفعت أسعار الأرز في مراكز التصدير بجنوب شرق آسيا بنحو 15% خلال شهر واحد، بسبب مخاوف الإنتاج وارتفاع التكاليف.
وتوضح "ذا غارديان" البريطانية، أن الخطر في آسيا لا يرتبط بالمحاصيل وحدها، ولكن بتزامن الظاهرة مع حرارة أكثر تطرفاً، وضغوط على المياه والكهرباء، فالطقس السيء لا يضر بالإنتاج الزراعي فقط، بل يلحق ضرراً بالنقل والطاقة والدخل والقدرة الشرائية، ما يجعل أثر "إل نينيو" أوسع من مجرد انخفاض في محصول أو ارتفاع في سعر سلعة.
الهند بين ضعف الأمطار وقوة المخزون
أما عن الهند، فهي تمثل قلب المعادلة، لأنها أكبر مصدر للأرز في العالم، وتمثل وحدها نحو 40% من تجارة الأرز العالمية، بالإضافة إلى أن موسم الأمطار الموسمية فيها يهدد إلى حد كبير مسار إنتاج المحاصيل الصيفية مثل الأرز والسكر وغيرهما.
تذكر صحيفة "إيكونوميك تايمز" الهندية، أن الحكومة وضعت خطط طوارئ في 315 منطقة، إثر عجز في الأمطار الموسمية بمقدار 42% حتى 23 يونيو (حزيران)، وسط مخاوف من تأثير الظاهرة على محاصيل الخريف، كما تفيد صحيفة "تايمز أوف إنديا"، بأن السلطات أنشأت غرفة عمليات لمراقبة "إل نينيو"، ومجموعة أخرى لمتابعة الطقس والمحاصيل، فضلاً عن تصنيف 111 منطقة ضمن الأكثر عرضة للخطر.
وعلى الرغم من ذلك، إلا أن البيانات الرسمية تشير إلى أن مخزونات الأرز الحكومية بلغت مستوى قياسياً في بداية يونيو (حزيران) الجاري، فيما وصلت مخزونات القمح أعلى مستوى في 5 سنوات.

السكر خارج مظلة الأمان
وعلى الرغم من قوة مخزونات الحبوب، إلا أن السكر يبرز كحلقة أكثر هشاشة، خصوصاً مع الضغوط التي تواجه الهند، والتي كانت في السابق مصدر للسكر عالمياً. وتؤكد "رويترز"، أن الهند قد تظل بعيدة عن أسواق تصدير السكر لسنوات بسبب تأثيرات ظاهرة "إل نينيو" على محصول قصب السكر، بالإضافة إلى ارتفاع الطلب المحلي على الإيثانول.
وتشير التقديرات إلى أن إنتاج السكر في الهند حوالي 27.9 مليون طن، أي أقل من الاستهلاك المحلي البالغ 28.5 مليون طن.
ليس كل "إل نينيو" شراً
وتنقل وكالة رويترز عن خبراء، أن الظاهرة قد تساعد في زيادة محاصيل مناطق أخرى عن طريق زيادة الأمطار فيها، ونلقت عن خبراء أن "إل نينيو" قد تساعد محاصيل الأرجنتين في النصف الثاني من 2026، وخصوصاً الذرة وفول الصويا والقمح، نظراً لأنها تزيدة عادة من وتيرة الأمطار هناك.