أعادت الأسواق المالية تقييم توقعاتها لمسار السياسة النقدية الأمريكية عقب صدور بيانات الوظائف المفاجئة للتوقعات يوم الأربعاء الماضي، والتي جاءت أضعف من المتوقع، ما دفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على رفع أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.

وأظهرت تعاملات أسواق العقود الآجلة لأسعار الفائدة قصيرة الأجل تراجعاً واضحاً في توقعات المستثمرين بشأن وتيرة التشديد النقدي، بعدما اعتُبرت بيانات التوظيف الأخيرة دليلًا على بدء فقدان سوق العمل جزءاً من زخمه.

لا حاجة لرفع الفائدة حالياً

"تشير نتائج تقرير الوظائف الأخيرة إلى أن تثبيت أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل أصبح السيناريو الأكثر ترجيحاً"، هذا ما توقعه أستاذ الاقتصاد في جامعة جورج واشنطن الأمريكية الدكتور صلاح حسن.

ويقول لـ24: "انعكست نتائج تقرير الوظائف بشكل فوري على أسعار الذهب على الفور وارتفعت سعر الأونصة بأكثر من 100 دولار في ساعات قليلة، وكذلك انخفض مؤشر الدولار أمام العملات العالمية إلى أسفل 101%، وسجل أول خسارة في  40 يوماً".
وتوقع الدكتور صلاح حسن أن يظل التثبيت هو الاحتمال الأقوى إذا استمر تباطؤ التضخم وسوق العمل، لكن القرار سيظل معتمداً على البيانات الاقتصادية القادمة، خاصة تقارير التضخم.

ويشير إلى أن التقرير لا يتضمن أي مؤشرات تستدعي قيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة في الوقت الحالي، وأن الصورة العامة تشير إلى أن سوق العمل الأمريكي يواصل النمو بوتيرة بطيئة لكنها مستقرة، ما يمنح البنك المركزي مساحة لمراقبة تطورات الاقتصاد قبل اتخاذ أي خطوات جديدة، مؤكداً أن رفع أسعار الفائدة يبدو غير مناسب في الأجل القريب، وربما يظل كذلك طوال 12 شهراً المقبلة، إذا استمرت البيانات الاقتصادية في إظهار تباطؤ تدريجي دون عودة الضغوط التضخمية إلى مستويات أعلى.

ماذا حدث في الأسواق؟

بعد ساعات قليلة من نتيجة تقرير الوظائف، تغيرت توقعات السياسة النقدية سريعاً تجاه سوق السندات الأمريكية، إذ ارتفعت أسعار سندات الخزانة مع تراجع العوائد، في ظل زيادة الطلب عليها باعتبارها أحد أبرز الأصول الآمنة. وانخفض العائد على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات أسعار الفائدة، بمقدار 6 نقاط أساس ليصل إلى 4.11%.

كما تراجع العائد على السندات لأجل 10 سنوات بمقدار 2 نقطة أساس إلى 4.46%، في إشارة إلى أن المستثمرين باتوا يتوقعون سياسة نقدية أقل تشددًا خلال الفترة المقبلة.

ويقول جيفري روزنبرغ، كبير مديري المحافظ الاستثمارية لدى بلاك روك، في تصريحات لـبلومبرغ، إن تقرير الوظائف يمثل خبراً إيجابياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش ولسوق السندات، لأنه يمنحه مساحة أكبر للتحلي بالصبر قبل الإقدام على أي رفع جديد لأسعار الفائدة.

وأظهرت أداة متابعة الفائدة الأمريكية المتاحة على موقع التحليل "إنفستنغ" أن المستثمرين خفضوا احتمالات رفع الفائدة خلال اجتماع يوليو إلى نحو 20% فقط، مقارنة مع 33% قبل صدور بيانات الوظائف.

كما أصبحت الأسواق تتوقع تنفيذ رفع كامل للفائدة بحلول ديسمبر(كانون الأول) بدلًا من أكتوبر(تشرين الأول) كما كانت تشير التوقعات السابقة، في تحول يعكس تراجع قناعة المستثمرين بإمكانية تسريع وتيرة التشديد النقدي.

وفي الوقت نفسه، انخفض إجمالي الزيادات المسعرة في أسعار الفائدة حتى نهاية ديسمبر(كانون الأول) إلى 29 نقطة أساس، وهو أدنى مستوى منذ أن عقد رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش أول اجتماع للسياسة النقدية، عندما فاجأ البنك المركزي الأسواق برسالة متشددة.

ويُعقد اجتماع الاحتياطي الفيدرالي القادم لحسم أسعار الفائدة يومي 28 و29 يوليو (تموز)، وسط توقعات قوية تتجه نحو تثبيت الفائدة، وذلك بفضل بيانات الوظائف الأمريكية.

ودخل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي مرحلة جديدة من التواصل مع الأسواق، بعدما تبنى رئيسه الجديد كيفن وارش نهجاً أكثر غموضاً، رافضاً تقديم أي توجيهات مسبقة بشأن المسار المستقبلي لأسعار الفائدة، في تحول قد يزيد من تقلبات الأسواق خلال الفترة المقبلة.

وأكد وارش الأسبوع الماضي أن مخاطر التضخم تراجعت مقارنة بالفترة الماضية، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن مهمة البنك المركزي في إعادة التضخم إلى مستهدفاته "لم تنته بعد".

ورفض رئيس الفيدرالي الإجابة عن توقعات اجتماع يوليو(تموز) المقبل، مؤكداً أن كل اجتماع سيعتمد على البيانات الاقتصادية المتاحة في حينه، دون الالتزام بمسار محدد مسبقاً.