شهد ملعب ميتلايف ستاديوم في نيوجيرسي الأمريكية الإثنين، صدمة اقتصادية ورياضية مزدوجة للكرة البرازيلية، لم تقف عند حدود الخروج المفاجئ لمنتخب "السامبا" من ثمن نهائي كأس العالم 2026 أمام النرويج بنتيجة 1-2، بل امتدت لتعلن رسمياً إسدال الستار على المسيرة الدولية للهداف التاريخي نيمار داسيلفا عن عمر ناهز 34 عاماً، لتطوى بذلك واحدة من أكثر الصفحات الاستثمارية والتسويقية إثارة للجدل في تاريخ الرياضة الحديثة.
جاءت لحظة الوداع مشحونة بالعواطف على الملعب ذاته الذي شهد انطلاقة نيمار الدولية الأولى عام 2010 ضد الولايات المتحدة، حيث انهار النجم البرازيلي باكياً بعد مباراة تألق فيها النرويجي إرلينغ هالاند بهدفين قاتلين، ليعلن نيمار في تصريح مقتضب لقناة "تي في غلوبو" إغلاق الدائرة قائلاً: "حاولت وحاولت. الآن، انتهى الأمر. بدأت الأمور هنا وتنتهي هنا"، مفارقاً القميص الأصفر بعد أن دخل بديلاً في الدقيقة 67 وعزز سجله القياسي كهدّاف تاريخي لبلاده برصيد 80 هدفاً إثر ركلة جزاء نفذها بنجاح في الأنفاس الأخيرة من اللقاء.

ولم تكن رحلة نيمار في مونديال 2026 فنية بقدر ما كانت مخاطرة استثمارية كبرى من المدرب كارلو أنشيلوتي، الذي فاجأ الأوساط الرياضية باستدعائه رغم غيابه الطويل بداعي إصابة في ربلة الساق تعرض لها منتصف مايو(أيار)، وهو ما جعل وجوده في قائمة البطولة أشبه بالاعتماد على "ورقة تسويقية ومعنوية" لحشد الجماهير والرعاة بدلاً من الجاهزية البدنية، مما أثار انتقادات سياسية واقتصادية لاذعة داخل البرازيل، تجسدت في سخرية الرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا (80 عاماً) الذي وصف نيمار علناً بأنه "أول لاعب في العالم يتم استدعاؤه ويعمل عن بُعد" نظراً لغيابه عن معظم المباريات ومشاركته لدقائق معدودة كبديل.
ويفتح هذا الاعتزال الدولي الباب أمام تحولات اقتصادية جذرية للاتحاد البرازيلي لكرة القدم والشركات الراعية، حيث تشرع هذه المنظومة في مواجهة تراجع متوقع في القيمة السوقية للعلامة التجارية للمنتخب بعد خسارة المحرك الأول لمبيعات القمصان والمستلزمات الرياضية عالمياً لسنوات طويلة، وهو ما سيجبر الرعاة على إعادة توجيه بوصلة الإنفاق الإعلاني نحو وجوه شابة جديدة مثل فينيسيوس جونيور، فضلاً عن خسارة عوائد "سياحة النجوم" المرتبطة بحقوق البث التلفزيوني ومبيعات التذاكر الفاخرة التي كان يضمنها وجود نيمار في الملعب.
وفي نهاية المطاف، يسدل هذا الخروج الستار على حقبة عجزت فيها القيمة السوقية الفلكية لنيمار عن جلب النجمة المونديالية السادسة للبرازيل، لتنتهي المحصلة بإقصاء هو الأسوأ للسيليساو في ثمن النهائي منذ عام 1990، إلا أن هذا الاعتزال يمنح الاقتصاد الرياضي البرازيلي فرصة حقيقية لإعادة الهيكلة والتخلص من معضلة "تركيز الأصول" حول نجم أوحد عانت منها البلاد منذ صدمة مونديال 2014، والتحول نحو بناء منظومة جماعية مستدامة قادرة على جذب الاستثمارات وبناء جيل جديد أبعد من سحر الرقم 10.