تتخطى التزامات "بي بي سي" المالية حاجز 80 مليون دولار سنوياً في عقدها الجديد لتأمين بث بطولة ويمبلدون للتنس مجاناً. ورغم تواضع الرقم أمام العروض الضخمة من الشبكات المشفرة، فإن هذه الخطوة تجسد معادلة تسويقية ذكية: "كلما زاد حجم الوصول الجماهيري.. تضاعفت جاذبية العلامة التجارية".
ووفقاً لمنصة التحليلات الرياضية "سبورتكال"، حسمت "بي بي سي" هذا التجديد (من 2028 حتى 2033) في ظل اهتمام منصات بث مدفوعة وشبكات رقمية بشراء الحقوق مقابل مبالغ فلكية.
تقول رئيسة نادي عموم إنجلترا للتنس، ديبورا جيفانز، إن الاتفاقية تعكس التزاماً كاملاً بإبقاء ويمبلدون متاحة لأوسع شريحة ممكنة من الجمهور البريطاني عبر منصات "الهيئة المتنوعة"، من التلفزيون التقليدي إلى تطبيق "آي بلاير" ومنصات التواصل الاجتماعي.
وتشير بيانات تاريخية نُقلت عن "سبورتكال" إلى أن قيمة الصفقة لم تكن ثابتة عبر الأعوام، إذ دفعت الهيئة نحو 53 مليون دولار سنوياً بين 2010 و2017، ثم ارتفع الرقم إلى 80 مليون دولار للفترة الممتدة بين 2018 و2024، قبل أن يتراجع إلى نحو 58.5 مليون دولار في دورة 2025-2027 بسبب ضغوط مالية واجهتها "بي بي سي" شملت تجميد رسوم الترخيص وارتفاع التكاليف التشغيلية.
لماذا هذا الثمن؟
الإجابة تبدأ من "قيمة الرعاية التجارية". فالبث المجاني يضمن لشركاء البطولة ورعاتها ظهوراً أمام ملايين المشاهدين في وقت واحد، عكس الاشتراك المدفوع الذي يحصر الجمهور بعدد المشتركين الفعليين. هذا الانتشار يرفع "معدل الوعي بالعلامة التجارية" ويجذب كبار المعلنين الباحثين عن أوسع تغطية، حتى لو كانت قيمة حقوق البث ذاتها أقل من عروض الشبكات المشفرة.
وأكدت تقارير نشرتها شبكة "سبورتس برو"، استناداً إلى بيانات وكالة "أمبير"، أن البطولات التي انتقلت بالكامل إلى البث المدفوع، مثل بطولة الكريكيت "الآشيز" وبطولة فرنسا المفتوحة للتنس داخل بريطانيا، سجلت انخفاضاً حاداً بأرقام مزدوجة في مستويات تفاعل الجمهور ونموه على المدى الطويل.
وترتكز خطة ويمبلدون على تحويل المشاهد العادي إلى مشجع نشط يشتري المنتجات المعروضة في البث، بدلاً من وضع جدار دفع مالي يحرم فئة الشباب والفئات الأقل قدرة من المتابعة والاستهلاك.
سوق "هجينة"
ولا يعني التمسك بالبث المجاني رفض التطور الرقمي، إذ يرتكز تجديد عقد ويمبلدون بشكل أساسي على تطوير التغطية عبر تطبيق "آي بلاير" ومنصات التواصل الاجتماعي إلى جانب القنوات التقليدية. وأظهرت استطلاعات نشرتها الرابطة الوطنية للمذيعين "إن إيه بي" أن عشاق الرياضة يفضلون بوضوح البث التلفزيوني المجاني والموثوق، بدلاً من التشتت والتعقيد المالي الناتج عن توزيع حقوق البث بين منصات رقمية متعددة ومدفوعة.
وتظهر ترتيبات ويمبلدون نفسها هذا التكامل بوضوح: تمتلك شركة "وارنر براذرز ديسكفري" منذ 2016 حقوقاً لعناصر محددة داخل بريطانيا، تشمل تغطية النهائيات وبث الملخصات، ما يمنح هيئة "أوفكوم" الأساس التنظيمي لمنح "بي بي سي" الموافقة على البث المباشر الحصري للمباريات غير النهائية.

قانون يحمي "مجوهرات التاج" الرياضية
لا يعتمد بقاء ويمبلدون مجانية على قرار تجاري بحت، وإنما على إطار تنظيمي صارم تفرضه هيئة "أوفكوم" البريطانية، يُعرف باسم قانون "الأحداث المحمية" أو "مجوهرات التاج" (Crown Jewels)، إذ يقسّم البطولات إلى مجموعتين: المجموعة أ، وتضم أحداثاً يُمنع بيعها حصرياً لقنوات مشفرة ويجب إتاحتها مباشرة ومجاناً بالكامل، مثل نهائيات الأولمبياد ونهائي كأس العالم ونهائيَي الرجال والسيدات في ويمبلدون.
والمجموعة ب، وتسمح للقنوات المشفرة بشراء الحقوق شريطة توفير ملخصات موسعة مجانية أو بث المباريات الوطنية دون تشفير، وتضم أحداثاً مثل سباقات الفورمولا 1 وبطولات الكريكيت والركبي.
وتطبق دول أخرى قوانين مشابهة على أحداثها الوطنية الكبرى: ففي أستراليا تُبث بطولة أستراليا المفتوحة مجاناً بالكامل عبر شبكة "ناين" التجارية، وفي فرنسا تنقل قناة "فرانس تلفزيون" الحكومية مباريات رولان غاروس النهائية دون اشتراك، بينما تُلزم هيئة "أجكوم" الإيطالية القنوات المشفرة ببث أي مباراة نهائية في بطولات الـ"غراند سلام" مجاناً في حال شارك فيها لاعب إيطالي.
هوية وطنية تتجاوز الأرقام المالية
أكد تقرير اقتصادي صادر عن اتحاد البث الأوروبي "إي بي يو" بالتعاون مع "أكسفورد إيكونوميكس" أن الرياضة المجانية تساهم بمليارات اليورو في الاقتصاد الأوروبي، وتعمل كمحرك أساسي لبناء الروابط الاجتماعية والهوية الثقافية المشتركة. ويفسر هذا البعد لماذا تحرص دول عدة على إبقاء أحداثها الرياضية الكبرى، من كأس العالم إلى دوري أبطال أوروبا ونهائي كأس الاتحاد الإنجليزي، متاحة مجاناً رغم الإغراءات المالية الضخمة التي تعرضها الشبكات المشفرة كل موسم.
فالفارق بين 80 مليون دولار من "بي بي سي" ومبلغ أكبر بكثير كانت لتدفعه شبكة مشفرة، ليس خسارة مالية بقدر ما هو استثمار طويل الأمد في مشاهدات لن تتوقف عن النمو، وفي علامة تجارية تقاس قيمتها بعدد من يشاهدها، لا بعدد من يدفع مقابل مشاهدتها.