مع عودة الأعمال القتالية بين الولايات المتحدة وإيران وارتفاع أسعار النفط، يرى مستثمرو شركات الطيران والمسؤولون التنفيذيون في القطاع مؤشرات متزايدة على اتجاه شركات الطيران الأوروبية الأضعف مالياً نحو عملية إعادة هيكلة.
وتقترب شركة الطيران البريطانية منخفضة التكلفة "إيزي جيت" من عملية استحواذ بقيادة الولايات المتحدة، ستؤدي إلى تحويل شركة الطيران التي يبلغ عمرها 30 عاماً إلى ملكية خاصة غير متداولة في البورصة، بتقييم أقل بكثير من ذروة سجلتها قبل جائحة كوفيد-19.
وتسعى "إير بالتيك" أيضاً إلى الحصول على تمويل قصير الأجل لتجنب التخلف عن السداد، وتجري شركة "نورس أتلانتيك" النرويجية مراجعة استراتيجية.
نقص الإمدادات يؤثر سلباً
على الرغم من قيام جزء كبير من القطاع بتنظيم وتحديث أوضاعه المالية بعد جائحة كوفيد-19، إلا أن ارتفاع أسعار الوقود أثر سلباً على أسعار الأسهم، وكشف عن هشاشة الميزانيات العمومية لبعض شركات الطيران التي تفكر الآن في عمليات إعادة هيكلة، أو عمليات استحواذ أو حتى الحماية من الإفلاس.
وقال رئيس قسم أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا في شركة الاستشارات المالية (إنترباث)، باريما بوكوم، لوكالة رويترز: "أعتقد أننا نعرض حالياً على 4 أو5 شركات طيران كبيرة جداً عمليات إعادة هيكلة في أنحاء أوروبا".
فاينانشال تايمز: حرب إيران تهدد أرباح شركات الطيران العالمية - موقع 24تشهد شركات الطيران العالمية ضغوطاً مالية متزايدة بعد الارتفاع الحاد في أسعار وقود الطائرات، نتيجة تداعيات الحرب المرتبطة بإيران، ما قد يضيف نحو 100 مليار دولار إلى فاتورة الوقود خلال العام الجاري، وفق تحذيرات صادرة عن الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا).
وخفض قطاع الطيران العالمي الشهر الماضي توقعاته للأرباح لعام 2026 إلى النصف تقريباً، مشيراً إلى الصراع في الشرق الأوسط الذي أدى إلى ارتفاع تكاليف الوقود وتعطيل الممرات الجوية الرئيسية، وكشف عن هشاشة قطاع يعمل بهوامش ربح ضئيلة.
وذكر مصرفيون ومستثمرون ومحللون، أن حرب إيران المستمرة والتي أدت إلى قفزة مهولة في أسعار الوقود هذا العام، فاقمت ضغوط التكاليف التي لم تنته منذ الجائحة.
وقال محلل شؤون الطيران المقيم في بريطانيا، روب موريس: "يبدو الأمر كما لو أن الدورة انتهت قبل أن تبدأ".
شركات الطيران تتوخى "الحذر"
ودفعت الظروف التشغيلية الأكثر صعوبة شركات الطيران إلى كبح خطط التوسع.
وخفضت شركة "إيرباص" توقعاتها للطلب العالمي على طائرات الركاب خلال الـ 20 عاماً المقبلة، في ظل تأثير الحروب والتوترات التجارية على التعافي القوي الذي شهده القطاع عقب الجائحة.
وقال مستشار شؤون الطيران والمصرفي السابق المتخصص في القطاع، برتراند جرابوفسكي: "لدى شركات الطيران في الولايات المتحدة وأوروبا وجنوب شرق آسيا عموماً معدلات نمو محدودة للغاية".
وأضاف جرابوفسكي: "باستثناء بعض الحالات مثل الخطوط الجوية التركية، تتوخى معظم الشركات الحذر الشديد في زيادة السعة التشغيلية".

وأثارت تكاليف وقود الطائرات المرتفعة، التي تستحوذ على أكثر من ثلث نفقات شركات الطيران عندما تكون الأسعار عند مستويات عالية، مخاوف بشأن الأوضاع المالية للناقلات الجوية هذا العام.
ورغم استقرار أسعار وقود الطائرات خلال الأسابيع القليلة الماضية، فإن عودة التقلبات في الشرق الأوسط أثارت شكوكاً جديدة حول قدرة شركات الطيران الأوروبية الأضعف مالياً على توليد سيولة كافية خلال موسم الصيف المهم لتجاوز فترة الشتاء.
وفي هذا الشأن، قال محلل الطيران المقيم في لندن، جيمس هالستيد: "الشركات الأصغر حجماً هي على الأرجح الأكثر عرضة للخطر"، مضيفاً أن "فقدان حركة المسافرين خلال موسم الصيف، الذي يعد الأهم للقطاع، ربما يكون مدمراً لبعض الشركات في قطاع يعتمد بدرجة كبيرة على السيولة النقدية المتاحة".
وتعد شركة الطيران البولندية (لوت)، هدفاً محتملاً لعمليات الاندماج والاستحواذ منذ سنوات، في حين شهد العائد على سندات شركة (إير بالتيك) اللاتفية المستحقة في 2029 ارتفاعاً حاداً هذا العام، ما يعكس تزايد إدراك المستثمرين للمخاطر.
وتراجع سهم شركة (نورس) إلى مستويات تقترب من الصفر، منذ إدراجها الذي حظي باهتمام واسع في عام 2021.

تحدي توقعات الفشل
كثيراً ما خالف قطاع الطيران التوقعات التي كانت ترجح وقوع موجة واسعة من حالات الإفلاس، بفضل قدرته على الصمود في مواجهة الصدمات الخارجية. غير أن بعض المحللين يرون أن هناك مؤشرات مبكرة تنذر بتراجع الزخم القوي الذي شهده القطاع منذ الجائحة، في ظل ارتفاع أسعار الوقود.
ومن بين المؤشرات التي يراقبها المحللون لرصد أي تباطؤ في أداء القطاع، هي خطط السعة التشغيلية وأسعار الطائرات المستعملة وعدد حالات إفلاس شركات الطيران.
وفي الولايات المتحدة، أدت الزيادات المستمرة في تكاليف الوقود والعمالة والصيانة وتأجير الطائرات إلى تقليص الميزة التنافسية لشركات الطيران منخفضة التكلفة، وساهمت في انهيار شركة "سبيريت إيرلاينز" في مايو (أيار) الماضي.
ارتفاع حاد في تكاليف وقود شركات الطيران الأمريكية - موقع 24ارتفعت تكاليف وقود شركات الطيران الأمريكية بنسبة 78% في أبريل (نيسان) الماضي لتصل إلى نحو 6.5 مليار دولار، مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، مدفوعة بارتفاع أسعار وقود الطائرات نتيجة التوترات في الشرق الأوسط، بحسب بيانات وزارة النقل الأمريكية.
وحذر محللون من أن الميزانية العمومية لشركة "ويز إير" عرضة للضغوط، ما يجعلها هدفاً محتملاً لعمليات الاندماج والاستحواذ.
وتؤكد الشركة أنها تتمتع بسيولة كافية، لكن رئيسها التنفيذي جوزيف فارادي قال للصحفيين في أبريل (نيسان) الماضي إنه "يتوقع مزيداً من حالات الإفلاس في القطاع بنهاية الصيف، مع تراجع الحجوزات المسبقة لموسم الشتاء الأقل ربحية".
من جهته، قال المدير العام للاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا)، ويلي والش في يونيو (حزيران) الماضي: إن "بعض شركات الطيران ستخرج من السوق أو سيتم الاستحواذ عليها من قبل شركات أكبر حجماً، لا سيما إذا ظلت أسعار الوقود عند مستويات مرتفعة".
وتابع والش: "للأسف، أعتقد أن بعض شركات الطيران ستجد صعوبة بالغة في التعامل مع أسعار الوقود المرتفعة هذه".