ترسم المؤشرات والتقديرات الصادرة عن وفد خبراء صندوق النقد الدولي، في ختام زيارته الاستقصائية الأخيرة لدولة الإمارات ضمن مشاورات المادة الرابعة لعام 2026، ملامح مرحلة جديدة تؤكد نجاح النموذج التنموي في صياغة مفهوم متطور للمرونة المالية.
وتكشف توقعات الصندوق باستمرار تحقيق الإمارات لفوائض قوية ومستدامة في ماليتها العامة عن عمق الاستراتيجية المتكاملة التي تتبناها الدولة؛ إذ لم يعد الأمر مقتصراً على الاستفادة اللحظية من الارتفاع لأسعار النفط في الأسواق العالمية، بل يتعلق بكفاءة "النهج الاستشرافي" في إعداد الموازنات وقوة صنع السياسات الاقتصادية والتشريعية.
حريّة مناورة استثنائية
ويكتسب هذا التناغم الهيكلي أهميته القصوى من كونه يتزامن مع مستويات دين عام منخفضة تاريخياً، ما يخلق حيزاً مالياً واسعاً يمنح متخذي القرار حريّة مناورة استثنائية لامتصاص الصدمات العالمية وتحييد المخاطر الجيوسياسية الإقليمية، ما يحول الفائض المالي من مجرد رقم محاسبي إلى درع حمائي مستدام.
وتثبت الأرقام التقديرية التي تمخضت عنها زيارة وفد الصندوق، أن الاقتصاد الإماراتي قطع شوطاً طويلاً في فك الارتباط التاريخي بين تقلبات أسواق الطاقة واستقرار حساباته المالية، من خلال تفعيل قنوات تمويلية وتشريعية مبتكرة.
وتتجلى هذه الملاءة في توقعات الصندوق، بأن يبلغ متوسط فائض المالية العامة للحكومة الاتحادية نحو 4.3% من الناتج المحلي الإجمالي على المدى المتوسط، وهي من بين النسب الأعلى والأكثر استقراراً في الخارطة الاقتصادية العالمية حالياً.
ويتوازى الأداء الداخلي مع قوة خارجية مميزة؛ إذ يُرجح الصندوق تسجيل ميزان الحساب الجاري الخارجي فائضاً بنسبة 7.6% من الناتج المحلي الإجمالي على المدى المتوسط، مدعوماً بتسارع مبيعات الصادرات غير النفطية وعمليات إعادة التصدير واللوجستيات والتدفقات السياحية.
احتياطيات أجنبية وفيرة
وتكتمل لوحة الحصانة النقدية لدولة الإمارات بامتلاك المصرف المركزي لاحتياطيات أجنبية وفيرة تغطي أكثر من 8 أشهر من الواردات السلعية والخدمية، ما يمنح نظام ربط الدرهم بالدولار مرجعية دفاعية صلبة قادرة على مجابهة هجرة رؤوس الأموال أو الضغوط الائتمانية الطارئة.
ويرتبط النمو الإماراتي بالزخم الذاتي المتنامي في القطاع غير الهيدروكربوني، والممتد عبر العقارات المبتكرة، والخدمات المالية الرقمية، والسياحة الفاخرة، والذكاء الاصطناعي.
ويتوقع الصندوق أن يرسخ الاقتصاد الكلي للدولة وتيرة نموه القوية لتستقر عند حاجز 5.0% خلال العام الحالي، مستفيدة من الانعكاسات المباشرة للاستثمارات الضخمة في البنية التحتية والمناطق الحرة.
وفي عمق هذه التقديرات، يبرز الحفاظ على وتيرة صعود الأنشطة غير النفطية بمعدلات قوية تتجاوز 4.6% كدليل دامغ على جدوى مستهدفات رؤية "نحن الإمارات 2031". وبالموازاة مع هذا الصعود، يتحرك قطاع النفط والغاز بخطى مدروسة ليسجل نمواً مستقراً يتراوح بين 5.3% إلى 6.3%، مستفيداً من خطط التوسع المتواصلة في الطاقة الإنتاجية.
وتُظهر القراءة التحليلية لسياسات الدولة أن "النهج الاستشرافي" في هندسة الموازنات لم يعد مجرد خطط احترازية، بل تحول إلى محرك أساسي لتنويع الإيرادات وتحسين جودة الإنفاق.
ضريبة الشركات الاتحادية
ويأتي قرار تطبيق ضريبة الشركات الاتحادية بنسبة 9% ليمثل ذروة هذا التحول التشريعي؛ إذ ساهم هذا الإجراء المالي الذكي في تحسين العجز الأولي غير الهيدروكربوني بنحو 15.5% من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، ما يعني عملياً تقليص الاعتماد على الريع النفطي لتمويل النفقات التشغيلية والرواتب.
كما أن هذه الهيكلية المالية تستمد قوتها من التنسيق المؤسسي العالي بين الإمارات السبع تحت مظلة مجلس تنسيق السياسات المالية الاتحادي، ما يضمن توجيه الفوائض نحو الإنفاق الاستثماري الرأسمالي والتكنولوجي، وتفويض الصناديق السيادية العملاقة بإدارة الأصول بكفاءة تضمن التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة.
وفي سياق تقييم الجدارة الائتمانية، تعمل مستويات الدين العام المنخفضة كأداة رئيسية لتوسيع الحيز المالي المتاح للدولة، ما يمنحها ميزة تنافسية نادرة مقارنة بالاقتصادات المتقدمة التي تئن تحت وطأة الديون السيادية.
انخفاض نسبة الدين
ويضمن الانخفاض في نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي للإمارات الحفاظ على أعلى التصنيفات الائتمانية العالمية، مما يترجم عملياً إلى غياب أي ضغوط لخدمة الديون أو سداد عوائد مرتفعة تلتهم بنود الموازنة العامة. ونتيجة لذلك، تستطيع الحكومة تمويل مشروعاتها الكبرى في قطاعات الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر بتكلفة اقتراض منخفضة للغاية عند الحاجة، أو ضخ سيولة في الأسواق المحلية وقت الأزمات دون التضحية بالاستقرار المالي العام أو الاضطرار لفرض سياسات تقشفية تمس بمستوى الرفاه الاجتماعي.
وعلى الجانب الآخر من المشهد، تتكامل الدبلوماسية الاقتصادية النشطة مع هذه المرونة المالية الداخلية، إذ يشير خبراء الصندوق إلى أن شبكة اتفاقيات الشراكة الاقتصادية الشاملة التي تواصل الإمارات إبرامها مع قوى تجارية صاعدة، إلى جانب دورها المتنامي في تكتل "بريكس"، ستعمل كعوامل تسريع لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وتوسيع قاعدة الأسواق التصديرية.
ومع ذلك، لا بد من تسليط الضوء على التحذيرات الاستباقية التي تضمنها تقرير الصندوق لضمان استدامة هذه المكتسبات؛ إذ يشدد الخبراء على ضرورة مواصلة المراقبة اللصيقة لمستويات السيولة والائتمان الموجه نحو القطاع العقاري الذي يمر بطفرة قياسية، لضمان استقرار الأسعار والحفاظ على سلامة المحافظ البنكية.
وفي ظل مناخ عالمي يتسم بعدم اليقين والتعقيدات الجيوسياسية، تظل التوصية الأبرز هي التمسك بسياسات مالية مرنة وموجهة بدقة، وقابلة للتكيف الديناميكي السريع مع أي تباطؤ مفاجئ في حركة التجارة العالمية، بما يضمن بقاء القلعة الاقتصادية الإماراتية محصنة ضد أي ارتدادات خارجية.
وتأسيساً على ما تقدم، تعكس خلاصة تقييم وفد صندوق النقد الدولي نجاح دولة الإمارات في صياغة توازن استراتيجي دقيق يجمع بين الانضباط المالي والنمو الطموح.
إن الاعتماد على الاحتياطيات النقدية الوفيرة، والدين العام المنخفض، وتحديث الأطر الضريبية والموازنات الاستشرافية، يمثل الإطار الحقيقي الذي لا يحمي الاقتصاد الوطني من الصدمات فحسب, بل يرسخ مكانة الإمارات كأبرز ملاذ مالي استثماري آمن في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وقصة نجاح في كيفية إدارة التحول الاقتصادي في عصر المتغيرات الكبرى.