تواجه المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين واحدة من أكبر أزماتها التمويلية منذ تأسيسها، إذ تضغط عواصم غربية ومسؤولون أمميون على إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لمنعها من قطع علاقتها بالمفوضية. وتكشف مصادر دبلوماسية وإنسانية لوكالة "رويترز" أن واشنطن – التي تعد تاريخياً أكبر مانح - تدرس وقف التمويل وإدراج المفوضية على قائمة أمريكية سوداء والانسحاب من لجنتها التنفيذية، في خطوة تفاقم عجزها المالي وتحد من قدرتها على الاستجابة لأزمات اللجوء والنزوح حول العالم.
يرتبط التوتر بخلاف على منصب نائب المفوض السامي، إذ اختارت الأمم المتحدة الشهر الماضي الدبلوماسية الأمريكية تريسا راي فينيرتي، بدلاً من المرشح المدعوم من واشنطن سايمون هانكينسون، الذي ينتقد المفوضية ويتهمها بتوسيع مهمتها وتشجيع الهجرة الجماعية. وبحسب رويترز، يكشف الخلاف الإداري أزمة أعمق تتعلق بنظرة واشنطن إلى المؤسسات متعددة الأطراف، ومدى استعدادها لتمويلها أو المشاركة في إدارتها.
ويحذر دبلوماسيون ومسؤولون في مجال الإغاثة من أن وقف التمويل الأمريكي يضعف المفوضية بشدة، في وقت تقترب فيه حركة النزوح عالمياً من مستويات قياسية. في المقابل، تؤكد وزارة الخارجية الأمريكية أنه لم يطرأ أي تغيير على تعاونها مع المفوضية، وتوضح أنها تواصل العمل معها بما يخدم مصالح سياستها الخارجية أو يسهم في إنقاذ الأرواح.
أمريكا تمول ربع ميزانية المفوضية
تتعدى العلاقة الأمريكية مع المفوضية البعد المالي، إذ تشارك واشنطن في هياكلها الاستشارية منذ 1951، وتعد عضواً مؤسساً في لجنتها التنفيذية منذ 1959. وبذلك، يؤدي الانسحاب المحتمل إلى فقدان السيولة، وخسارة الغطاء السياسي الذي توفره الولايات المتحدة، وفق موقع المفوضية.
وبحسب رويترز، تمثل الولايات المتحدة أكبر ممول منفرد لمفوضية اللاجئين. ففي 2025 قدمت 868 مليون دولار، ما يقارب ربع إجمالي المساهمات التي تتلقاها المفوضية.
حجم المساهمة يكشف صعوبة تعويضها سريعاً، إذ وصلت مساهمات الأفراد والقطاع الخاص للمفوضية على مستوى العالم إلى 697 مليون دولار في 2025، أي أقل بـ 171 مليون دولار من إجمالي المساهمات الأمريكية. ما يعني أن تعويض أي توقف أمريكي يتطلب زيادة كبيرة في المساهمات الواردة من القنوات الحكومية وغير الحكومية، بحسب التقرير العالمي للمفوضية.

أزمة مالية تسبق التهديد الأمريكي
تدخل المفوضية المواجهة مع واشنطن في وقت تعاني من انكماش حاد في مواردها. إذ انخفضت الأموال المتاحة في 2025 بنحو 1.25 مليار دولار، لتصل إلى 3.93 مليارات دولار، ولا تغطي سوى 37% من الاحتياجات، مقارنة بـ 48% في 2024، وفق تقريرها العالمي لعام 2025.
وبناء على أرقام التقرير، تقدم المفوضية خدماتها إلى 129.4 مليون لاجئ ونازح وعديم الجنسية، وتتعامل مع الاحتياجات بموارد تعادل مستويات 2016، عندما كان عدد المستفيدين أقل من نصف العدد الحالي. وخفضت المفوضية إنفاقها في 2025 بنحو 22%، كما قلصت قوتها العاملة بأكثر من الثلث، ما يعادل 6600 وظيفة، بحلول يناير (كانون الثاني) 2026.
ويمتد الضغط المالي إلى 2026، إذ تبدأ المفوضية بتمويل لا يتخطى 1.5 مليار دولار، ما يغطي أقل من 18% من احتياجاتها السنوية المتوقعة. وللمقارنة، تعادل المساهمة الأمريكية المسجلة في 2025 نحو 58% من هذا المبلغ. ما يوضح حجم فجوة السيولة التي قد تنشأ حال توقف الدعم الأمريكي، حسب تقرير المفوضية.

توسع الانسحاب الأمريكي
لا تنفصل أزمة مفوضية اللاجئين عن سياسة أمريكية أوسع. ففي يناير (كانون الثاني) 2026 أصدر الرئيس دونالد ترامب توجيهات للوكالات الحكومية بوقف المشاركة والتمويل في 66 منظمة وهيئة واتفاقية دولية، تشمل 31 كياناً مرتبطاً بالأمم المتحدة و35 منظمة غير أممية، وفق مذكرة الانحساب للبيت الأبيض.
وتأتي هذه الخطوة الأمريكية امتداداً لقرارات بدأت تنفيذها في 2025، شملت الانسحاب من منظمة الصحة العالمية، واتفاق باريس للمناخ، ووقف المشاركة في مجلس حقوق الإنسان، وحظر أي تمويل مستقبلي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا". وفي يوليو (تموز) 2025، أبلغت واشنطن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" بقرار الانسحاب منها مجدداً.
وتبرر الإدارة الأمريكية هذه الإجراءات بوقف "الإنفاق غير المجدي على منظمات لا تخدم المصالح الأمريكية"، وتعيد توجيه الموارد صوب أولويات داخلية، من بينها البنية التحتية والجاهزية العسكرية وأمن الحدود، حسب البيت الأبيض.
ولا تُنهي الإجراءات الأمريكية الأعباء المالية، بل تُرحّلها إلى طرف آخر. إذ تضطر الدول المضيفة والمنظمات المحلية والمانحون الآخرون إلى تحمل أعباء أكبر لتمويل خدمات الصحة والتعليم والمياه والحماية الاجتماعية. وتوضح دراسات للمفوضية والبنك الدولي أن استضافة اللاجئين تزيد الإنفاق الحكومي والضغط على الخدمات العامة والبنية التحتية، خاصة في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، ما يجعل تراجع التمويل الدولي عاملاً إضافياً في اتساع فجوات الخدمات والإنفاق العام.

تأثير الدعم الأمريكي
يكشف انحسار التمويل الأمريكي مدى اعتماد المنظمات الدولية على المظلة المالية لواشنطن. ففي منظمة الصحة العالمية، تمثل الولايات المتحدة 18% من الدخل، وترتفع مساهمتها في بعض البرامج إلى 60% من التمويل الطوعي. ومع توقف الدعم وتراجع مساهمات مانحين آخرين، تواجه المنظمة فجوة تقارب 600 مليون دولار، ما دفعها لتخفيض ميزانيتها للفترة 2026-2027 من 5.3 مليارات إلى 4.2 مليارات دولار، أي ما يعادل 22%، إلى جانب تقليص الوظائف ودمج الإدارات.
وتتسع التبعات لتطال عمليات الطوارئ الصحية في غزة والسودان وأوكرانيا والقرن الأفريقي، إذ تسهم واشنطن في 30% و40% من بعض هذه العمليات. وتفيد منظمة الصحة العالمية بأن تجميد التمويل الأمريكي يؤثر في خدمات يستفيد منها 23.8 مليون شخص، ويدفع 2604 منشآت صحية حول العالم إلى تعليق خدماتها أو تقليصها، ما يحد من قدرات الترصد الوبائي، والتطعيم وتوفير الأدوية والاستجابة لتفشي الأمراض.
وفي الأراضي الفلسطينية، يزيد استمرار الحظر الأمريكي لتمويل "الأونروا" الضغوط على استجابة إنسانية تحتاج إلى 1.26 مليار دولار خلال 2026 للوصول إلى نحو 2.4 مليون شخص في غزة والضفة الغربية. بالتوازي، لا تتوقع الوكالة جمع أكثر من 475 مليون دولار لموازنة برامجها الأساسية، ما يغطي 63% فقط من احتياجاتها ويترك فجوة تقارب 275 مليون دولار، إلى جانب عجز في السيولة يقدر بـ 100 مليون دولار في 2026.
في أفغانستان، يتحول خفض المساعدات إلى إغلاق مباشر للخدمات. فبعد تمويل الولايات المتحدة أكثر من 40% من العمليات الإنسانية في 2024، أنهت واشنطن خلال 2025 معظم برامجها المتبقية بقيمة تقارب 562 مليون دولار. وأسهم توقف التمويل الأمريكي وتراجع دعم مانحين آخرين في إغلاق 422 منشأة للرعاية الصحية الأولية، ما قلص وصول نحو 3.3 ملايين شخص إلى الخدمات الأساسية، وزاد هشاشة السكان أمام الجوع والأمراض والكوارث، بحسب رويترز.

تفكيك "USAID" يوسع الصدمة
يتجاوز أثر تراجع المساعدات الأمريكية نطاق المنظمات الأممية ليصل إلى عمق العمل التنموي والإغاثي، إثر إعادة هيكلة نشاط الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID). وتجلّى هذا التحول في يوليو (تموز) 2025 مع نقل إدارة العديد من برامج الأغذية والإغاثة إلى مظلة وزارة الخارجية، بالتوازي مع إلغاء أو إعادة تصميم قطاعات واسعة من برامج الوكالة.
وتؤدي قرارات التجميد والمراجعة إلى إلغاء مشاريع تتخطى قيمتها 1.3 مليار دولار في مناطق أزمات رئيسية، تشمل أفغانستان واليمن والصومال وسوريا وغزة، ما يحرم الدول المستفيدة من خدمات حيوية في مجالات الصحة، والتغذية، والمياه، والتعليم، والأمن الغذائي، وفق رويترز.
ولا تقف الانعكاسات عند الحدود الإغاثية، بل تمتد لتضرب منظومة الصحة العامة؛ إذ تسبب انقطاع التمويل في تعطيل 47 حملة لمكافحة الأمراض المدارية المهملة التي كانت تستهدف نحو 143 مليون شخص، بالإضافة إلى تقليص برامج مكافحة السل، وتقويض الكوادر الصحية وسلاسل الإمداد والفحص، بحسب المنظمة.
وتحذر دراسة نشرتها دورية "لانسيت"، من أن استمرار الاقتطاعات الحادة في برامج الوكالة سيتسبب في وقوع أكثر من 14 مليون وفاة إضافية بحلول 2030. ويمثل الرقم تقديراً نموذجياً، إلا أنه يعكس الفاتورة الباهظة لتجميد برامج الوقاية والعلاج والرعاية الغذائية على المدى الطويل.