في خطوة تعكس تحولاً هيكلياً في إدارة ملف الطاقة، تتجه مصر نحو إبرام عقود متوسطة وطويلة الأجل لتأمين احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال، وذلك بعد الاعتماد على الشراء المباشر من "السوق الفورية"، في ظل التوترات الجيوسياسية الراهن وانخفاض الانتاج المحلي حالياً.
وتجري السلطات المصرية محادثات مكثفة مع كبريات شركات الطاقة العالمية في مقدمتها شركة "شل"، "توتال إنرجيز"، "بي بي"، و"هارتري بارتنرز" للاتفاق على توريد ما بين 15 إلى 18 شحنة من الغاز الطبيعي المسال شهرياً، حسبما نقلت وكالة "رويترز".
وتشير المصادر إلى أن هذه العقود ستتراوح مدتها بين 3 إلى 5 سنوات، مع وجود رغبة جادة في إدخال الموردين الأمريكيين كطرف رئيسي، وذلك بهدف التحوط من قفزات الأسعار وتثبيت جدول التدفقات لضمان الاستقرار المالي لشبكة الطاقة.
وأشارت المصادر إلى أن هذه التحركات التفاوضية تأتي في وقت يواجه فيه قطاع الطاقة ضغوطاً متزايدة نتيجة اتساع الفجوة بين ما يُنتج محلياً وما يُستهلك فعلياً.
وانخفض معدل ضخ الغاز الطبيعي من الحقول المصرية ليصل إلى نحو 4 مليار قدم مكعبة يومياً (مقارنة بأعلى ذروة سابقة تجاوزت 7 مليارات قدم مكعبة يومياً)، وبالتحديد في عام 2018، ويتراوح الطلب المحلي ما بين 6 و6.2 مليار قدم مكعبة يومياً، لكنه يقفز خلال أشهر الصيف ليصل إلى 7.2 مليار قدم مكعبة يومياً، نتيجة ضغط محطات توليد الكهرباء التي تستهلك وحدها 80% من الإمدادات.
وبالتالي هناك عجز يومي يُقدر بـ 1.8 إلى 2.2 مليار قدم مكعبة، مما اضطر الحكومة المصرية إلى إيجاد بدائل عاجلة لتجنب خطط تخفيف الأحمال الكهربائية، وحماية القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك كالأسمدة والبتروكيماويات.
خريطة الاستيراد: من أين يتدفق الغاز إلى مصر؟
ولتغطية هذا العجز، قال خبير أسواق الطاقة والغاز الدكتور جمال القليوبي، إن مصر تعتمد على مزيج مزدوج يجمع بين الغاز المنقول عبر الأنابيب والشحنات البحرية، حيث تستقبل التدفقات عبر خطوط الأنابيب بشرق المتوسط (مثل خط EMG) كمعبر إقليمي ورئيسي للإمدادات الأنبوبية، إلى جان الاعتماد على الغاز المسال القادم من ناقلات البحر من دول عدة مثل الولايات المتحدة والجزائر وقطر وغيرها من الدول.
وأوضح القليوبي لـ24 أن الاتجاه للتعاقدات طويلة الأجل من 6 أشهر فيما أعلى تساهم في تأمين شحنات الغاز لمصر وضمان استقرار الأسعار لتلبية الاحتياج المحلي وهي خطوة جيدة مكلفة أحياناً مقارنة بالاعتماد على الشحنات الفورية، لكنها أفضل على المدى الطويل لضمان التدفقات.
وحول إجمالي الغاز المستورد سواء المسال أو عن طريق الأنابيب، قال القليوبي إن إجمالي ما استوردته مصر في العام الماضي بلغ نحو 28 مليار متر مكعب، وذلك بتكلفة إجمالية 8.8 مليار دولار.
وتوقع القليوبي زيادة الانتاج المحلي المصري خلال الخمس سنوات المقبلة مع توسعة أعمال الحفر والتنمية في حقل "ظهر" وبحر البرلس والصحراء الغربية، إلى جانب خطة لحفر 14 بئراً استكشافية في البحر المتوسط.
وتستهدف الحكومة المصرية إعادة رفع الإنتاج المحلي ليصل إلى 6.6 مليار قدم مكعبة يومياً بحلول عام 2030.
هل ستكون الطاقة النووية بديلاً للغاز؟
فيما رأى خبير الطاقة ونائب رئيس هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء السابق الدكتور علي عبد النبي، أن مصر تتحرك في هذا الاتجاه نتيجة أن أسعار السوق الفورية متذبذبة، والاعتماد على الشراء من السوق الفورية يضع الدولة أمام تقلبات حادة في الأسعار بسبب التوترات الجيوسياسية واضطرابات خطوط الملاحة البحرية.
وقال: "التعاقدات الممتدة لعدة سنوات توفر استقراراً في التسعير وحرية في شروط التسليم، مما يحمي الموازنة العامة من ارتفاع فاتورة الاستيراد الشهرية في الأوقات التي تشهد ضغطاً عالمياً على شحنات الغاز".
كما أكد لـ24 أن هذه التعاقدات تعد حلاً مثالياً لمدة من 3 إلى 5 سنوات، فهي تمنح المساحة الزمنية اللازمة للشركاء الأجانب لتنفيذ برامج إعادة حفر وتنمية الآبار، وتسريع عمليات البحث والاستكشاف في المناطق المفتوحة والمياه العميقة، بالتوازي مع جدولة وتسديد المستحقات المالية المتبقية للشركاء لتشجيع ضخ الاستثمارات من جديد.
وفيما يخص اللجوء إلى الطاقة النووية، والتي يمكن أن تكون بديلاً للغاز، قال الدكتور عبد النبي: "بالتأكيد، تشغيل محطة الضبعة النووية بقدرة إجمالية 4800 ميغاوات يعد أحد الحسابات الهيكلية الرئيسية لتوفير الغاز الطبيعي وتعديل موارد الطاقة، وسيوفر ما بين 7 إلى 7.7 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً. ما يعني خفض استهلاك قطاع الكهرباء للغاز بنسبة تتراوح بين 18% إلى 20%، وهو يمثل نسبة 12% إلى 13.5% من إجمالي الاستهلاك المحلي القومي سنوياً.