تقف أسواق الطاقة العالمية عند مفترق طرق حاسم مع استعدادها لافتتاح تداولات صباح غدٍ الإثنين في بورصتي نيويورك ولندن، وسط توقعات بانخفاض سريع في أسعار خامي برنت وتكساس بعد توقف الضربات الأمريكية ضد إيران منذ يوم الجمعة الماضي.
وفي الوقت الذي يتطلع فيه المتعاملون لخفض الأسعار التي أثقلت كاهل الأسواق ورفعت الأسعار لمستويات قياسية، تلوح في الأفق سيناريوهات معقدة ترسمها كبرى مؤسسات البحث المالي، مؤكدة أن الأسعار قد تظل متمسكة بمستويات مرتفعة تقارب حاجز المئة دولار للبرميل في الأجلين المتوسط والطويل.
وبلغ سعر خام برنت العالمي عند إغلاق التداولات الأخير 96.78 دولار للبرميل، بينما سجل خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 89.31 دولار للبرميل، وذلك يوم الجمعة الماضي.
ضغوط بيعية
وبحسب تحليلات موقع "إنفستنغ" يُتوقع أن يتصدر المشهد انخفاض وسلسلة من الضغوط البيعية بهدف جني الأرباح على خامي القياس العالمي "برنت" وغرب تكساس الوسيط، استجابةً للإعلان المفاجئ عن توقف الضربات العسكرية الأمريكية ضد إيران.
وهذا التحول الميداني يعزز من فرضية تلاشي التهديدات المباشرة التي ظلت تطال الممرات المائية الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، بالإضافة إلى انحسار القلق الفوري بشأن احتمال استهداف المنشآت النفطية أو مرافق الطاقة الحيوية في المنطقة.
وتسهم هذه التهدئة في تخفيف الأعباء عن كاهل شركات الشحن والتأمين البحري، ما يفسح المجال لاستعادة الملاحة لشيء من انتظامها المفقود، ويدفع المضاربين لإنهاء المراكز المالية القائمة على الذعر الشديد، مما يخفض الأسعار بشكل فوري ما بين 3% إلى 5%.
غير أن أوساط السوق تجمع على أن هذا الهبوط الاستهلالي المرتقب ليس سوى استراحة مؤقتة ومرحلة انتقالية، تعود من خلالها الأسواق لتقييم "أساسيات العرض والطلب" بعيداً عن صدمة السلاح وتأثير الضغوط العسكرية.
وبمجرد انحسار التوتر الجيوسياسي، تتجه بوصلة المستثمرين والمتداولين نحو المحركات الاقتصادية الهيكلية، وأبرزها بيانات النمو الاقتصادي ومعدلات الاستهلاك الفعلي للخام في التكتلات الاقتصادية الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين، إلى جانب المتابعة الدقيقة للسياسة الإنتاجية الخاصة بتحالف "أوبك" وخططه الخاصة بحجم الإمدادات، فضلاً عن القراءة الأسبوعية لبيانات المخزونات الأمريكية للنفط والبنزين كإشارة على مدى تعافي الطلب المحلي.
التوقعات المستقبلية
ورغم التفاؤل تجاه الأسعار غداً في بداية فتح الأسواق، إلا أن أحدث مذكرات شركة الاستشارات العالمية رابيدان إنرجي غروب أظهرت تعديلاً جوهرياً ونظرة أكثر سوداوية لمستقبل الأسعار، حيث رفعت الشركة توقعاتها لمتوسط سعر خام برنت خلال الربع الأخير من العام الجاري إلى نحو 100 دولار للبرميل، مقارنة بـ 85 دولاراً في تقديراتها السابقة، معولة في ذلك على تداعيات انهيار اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة واحتمالات تعثر حركة الملاحة والتجارة عبر مضيق هرمز لفترات أطول مما كان متوقعاً.
وتستند رؤية رابيدان التحليلية إلى فرضية جديدة مفادها أن حركة الشحن عبر هذا الممر المائي الحيوي لن تتجه نحو التعافي الكامل والمبكر كما كان مأمولاً بحلول 2027، بل تتوقع أن تعبر نحو 35% فقط من مستويات الشحن الطبيعية بحلول شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، لتصل تدريجياً إلى نحو 65% على مدار العام القادم.
وأوضحت المذكرة الصادرة عن محللي الشركة أن التساؤل الجوهري القائم حالياً يكمن في مدى قدرة الأطراف على إبقاء المواجهات حصرية ضمن حدود الأهداف العسكرية، أم أن الصراع ينطوي على مخاطر التوسع ليشمل البنية التحتية المدنية ومرافق تحلية المياه والكهرباء، وهو ما يضع السوق أمام خطر قفز السعر المرجعي للخام إلى 105 دولارات للبرميل خلال الأشهر القليلة المقبلة.
ولا تقف هذه التحذيرات عند حدود الرؤية الاستشارية لشركة رابيدان، بل تتلاقى مع تقييمات صادرة عن بنوك استثمار عالمية كبرى، وفي مقدمتها غولدمان ساكس، والذي أشار في تحليلاته الأخيرة إلى أن استمرار الاضطرابات في البحر الأحمر والممرات المائية قد يدفع خام برنت للتحليق مجدداً وتجاوز مستوى 120 دولاراً للبرميل.
ويأتي ذلك في وقت أظهرت فيه الأسواق قدرة عالية على القفز والتأثر، إذ تخطى برنت بالفعل حاجز المئة دولار للمرة الأولى منذ شهرين بالتزامن مع الذروة السابقة للتوترات، متجهاً لتسجيل مكاسب شهرية تجاوزت حاجز 30%، وهي مؤشرات تؤكد استمرار حالة العجز في سوق النفط العالمية لمدة عام إضافي على الأقل.
وفي المقابل، تحرص أوساط التحليل الفني على تسليط الضوء على العوامل المقابلة التي قد تحد من جموح الأسعار وتمنع انفلاتها الكامل، وعلى رأسها ضعف الطلب الصيني وتراجع معدلات الاستهلاك في ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
وتتوقع المذكرات التحليلية أنه في حال استقر سعر خام برنت ضمن النطاق الممتد بين 90 و100 دولار للبرميل، فإن بكين ستواصل الاعتماد على استراتيجية السحب من مخزوناتها النفطية الاستراتيجية بوتيرة تقل عن 500 ألف برميل يومياً للحد من كلفة الاستيراد المرتفعة، وذلك حتى نهاية 2026، قبل أن تبدأ مجدداً في عملية إعادة بناء المخزونات مع مطلع العام التالي.